رسائل بنكيران – اليوم 24

رسائل بنكيران

  • بلال التليدي، تصوير عثمان جمعون

    التليدي: التوحيد والإصلاح تعيش أزمة الهوية والدور

  • ما لم أفهمه من خطاب العرش

وأخيرا تكلم بنكيران في حفل كبير، ومتابعة أكبر، تبرز مكانته السياسية، وأن الطلب على دوره تجاوز قضية الجواب عن أزمة الحزب، للجواب عن إصلاح السياسة.

البعض التقط من مواقفه إشارات فهم منها استمرار طموح الرجل للعودة لمنصبه السابق، وأنه الشخص المؤهل لذلك في ظرفية حرجة تحتاج فيها الملكية إلى من يعينها في ساعة الشدة، لا أن “يتبندق” لها، وبعض الذين يتمنون نهاية دوره، وظفوا كلمته لخوض معركة ضد الشخصنة والمشيخة، وإعادة التذكير بخصوصيات المنهج ومركزية المؤسسات فيه!

لكن هذه التأويلات تبقى محكومة بالموقع الذي تصدر عنه، والوظائف السجالية التي تتطلبها، فثمة من يريد الإقناع أن العدالة والتنمية من غير بنكيران هي ذاتها العدالة والتنمية به، وهناك من يقنع بإمكان الاستغناء عن دور بنكيران، وأن غيابه لن يكون مؤثرا على المسار، ولا سببا في الاستنكاف عن مفردات المنهج، وهناك طرف ثالث لم يجرؤ إلى اليوم أن يزعم بأن أزمة العدالة والتنمية تعود إلى إصرار بنكيران على العودة للسياسة.

وبعيدا عن هذا السجال الذي سيؤجج أزمة الصف الداخلي للعدالة والتنمية، فإن الرسالة السياسية التي بلورها بنكيران بقدر كبير من التحفظ والاحتياط، هي ما يرتبط بجوهر السياسة في المغرب، أي الدمقرطة ودور الملكية فيها والعلاقة بين المؤسسات.

في مقال سابق، تناولنا فيه التصورات الخمس للملكية داخل العدالة والتنمية، وسجلنا تحول فكر بنكيران داخل دائرة المحافظة، وأنه بالإضافة إلى موقفه التقليدي المؤكد للدور المركزي للملكية في النسق السياسي، فإنه يميل إلى إصلاح دستوري يزيد من تدقيق العلاقة بين المؤسسات بالنحو الذي تتبين فيه أكثر المسؤوليات لتتيسر شروط ربطها بالمحاسبة.

مع كلمته في الملتقى الرابع عشر للشبيبة، تزداد فكرته وضوحا: فالإصلاح متعذر في ظل معادلة “المخزن أقوى من الملكية”، وأن تلمس الطريق لهذا الإصلاح، يبتدئ باحتماء الملكية بالمجتمع واستجابة لنبضه، وإصلاح للمخزن من الداخل قصد ترويضه، وجعله جزءا من معادلة الإصلاح لا نقيضا لها، وبدور أقوى للمؤسسات المنتخبة، وللأحزاب السياسية.

الرسالة الثانية، وتتعلق بالجواب عن إمكان أن يكون هناك أفق للسياسة في المغرب، ففي ظل تنامي ثقافة اليأس والإحباط في صفوف جمهور السياسة من إمكان الإصلاح عقب انتخابات السابع من أكتوبر، يرسخ بنكيران فكرته المبشرة بالأمل بكون الإرادة السياسية موجودة، وأن رصيد عمله وعلاقته بالملك محمد السادس، تؤكد له أن المشكلة توجد في مكان آخر غير الملكية، وأن تحويل الصراع في اتجاه الملكية هو صراع في الجبهة الخطأ، وأن المعركة ينبغي أن تتوجه إلى ترويض مراكز القوى التي تعرقل هذه الإرادة الإصلاحية وتمنعها في الفعل أو تحرف أهدافها.

الرسالة الثالثة في كلمة بنكيران، أن قوى الإصلاح لن تعرف أي تقدم دون أن تستمر في معركة تحرير الإرادة الإصلاحية، وأن رصيد التجربة السابقة، التي أطاحت بالتعبير السياسي عن القوى المناهضة للإصلاح (البام)، ولو وقع الالتفاف على اكتمال تحققاتها، يثبت بأن المضي في غير هذه الطريق باسم التوافق والتدرج سيؤدي إلى تراجع كبير لقوى الإصلاح، وتغول لمراكز النفوذ المعيقة للإرادة الإصلاحية.

هذه هي مجموع المفردات التي يحاول بنكيران بعث أجزاء منها في كل كلمة، حتى يتم الانتباه إلى شروط إصلاح السياسة في المغرب، بل شروط الاستقرار في ظل وضع إقليمي ودولي مضطرب، ستكون له بدون شك آثاره السلبية على الوضع الداخلي ما لم يتم استباق الأمر بجواب سياسي واجتماعي جديد.

شارك برأيك