البطل المجهول – اليوم 24

البطل المجهول

  • تساقطات مطرية - طقس - رزقو

    طقس الاثنين..سماء غائمة وأمطار بهذه المدن

  • النفايات االرباط

    بعد نفايات إيطاليا.. تقنين استهلاك النفايات

جاك أطالي ترجمة: محمد حجي محمد

توفي أرسين تشاكاريان، يوم السبت 4 غشت، عن عمر يناهز 101 سنة. وتعتبر وفاته فرصة مناسبة للتفكير في ما تبقى اليوم من المثل الأعلى للمقاومة، والمعارك التي خاضها هؤلاء الرجال والنساء المثيرون للإعجاب.

كان تشاكاريان قد ولد سنة 1916 في الإمبراطورية العثمانية، خلال الإبادة الجماعية للأرمن. أقام كلاجئ غير مرحب به في فرنسا وهو يبلغ من العمر 14 سنة، وعاش هناك كمتدرب على مهنة الخياطة. ورغم أن الجمهورية لم تمنحه الجنسية، فقد دافع عنها سنة 1934 ضد العصب اليمينية المتطرفة التي كانت تسعى حينها إلى اقتحام الجمعية الوطنية. التحق سنة 1939 بالجيش الجيش الفرنسي، وحارب ضد الجيوش الألمانية. في سنة 1942 انضم مع رفاقه الشيوعيين إلى المقاومة، ليؤسس، في سنة 1943، مع أحد أصدقائه من أصل أرمني؛ الصحفي الشيوعي ميساك مانوشيان، ومائة من المهاجرين الآخرين، رجالا ونساء، إيطاليين وأرمينيين، ويهودا بولنديين، ما سيعرف بـــ “المجموعة المانوشيانية”، التي ستقوم في غضون أشهر قليلة، وبفضل جرأتها المجنونة، بتوجيه ضربات قاسية للقوات الألمانية، من دون توفرها على أسلحة أو دعم لوجيستي.

لقد نفذت هذه المجموعة ما يقرب من 115 عملية؛ منها عمليات إخراج القطار عن مسار سكته، وأعمال التخريب والاغتيالات (بما في ذلك اغتيال الجنرال العام يوليوس ريتر، المسؤول عن قسم العمل الإجباري). في شهر فبراير 1944، أُلقي القبض على 23 عضوا من هذه المجموعة، من ضمنهم امرأة، وحكمت عليهم المحكمة الألمانية بالإعدام بعد أن وضعوا أسماءهم في “الملصق الأحمر” الشهير، الذي كان الألمان يهدفون من خلاله إلى التنديد على طريقة الثأر الشعبي الفرنسي بأولئك الذين كانوا يسمونهم بــ”الإرهابيين الأجانب”.

بعد هروبه من الاعتقال بوقت قصير، واصل أرسين تشاكاريان المقاومة من بوردو إلى أن انتهت الحرب، فعاد إلى مزاولة مهنته كخياط. هكذا ظل هذا البطل المجهول والمنسي، يروي قصص مجموعته بلا كلل. وكان عليه أن ينتظر حتى سنة 1958 (بعد مرور 28 سنة على وصوله إلى فرنسا، و16 سنة على قيامه بأعماله البطولية) كي تمنحه فرنسا جنسيته، ثم سنة 2012 كي تمنحه وسام ضابط جوقة الشرف، بعد أن نال هذا الوسام الكثير ممن كانوا يستحقون أقل من ذلك بكثير. دعونا نستخلص الدرس هذا اليوم من مجموعة مانوشيان كما استخلصته في ذلك الوقت؛ لأن المعركة ضد الشر هي معركة عالمية، ولا تقتصر على الفرنسيين بشكل خاص. يعلم الأجانب الذين يعيشون في بلادنا، وسيعلمون مرة أخرى كيف يهبون لها حياتهم من أجل قضية تفوقنا جميعا: الحرية من أجل الأجيال القادمة. لقد كانت المقاومة في فترة هذه الأعمال الطائشة حد الجنون بسيطة. وكانت بسيطة بشكل رهيب؛ إذ كان هناك الفاشيون الذين أرادوا تدمير الجمهورية، ثم كان هناك النازيون، الذين كانوا يريدون تدمير الحضارة. كما كان من السهل علينا أن نفهم حجم القوة الكبرى، وقدرتها على تدميرهما. لقد كان الجدل الوحيد ينصب على معرفة ما إن كانت المقاومة تُمارس من خلال الانضمام إلى جيوش الحلفاء، أو من الداخل. في كلتا الحالتين، كان واضحا ما يجب علينا محاربته. كان ينبغي أن نحارب أولا الأشخاص الذين تحركهم إيديولوجية شيطانية، وثانيا المسؤولين على مصائب فرنسا. وكان القضاء على هؤلاء كافيا لإحياء الأمل في عالم أفضل. لم تعد المقاومة اليوم بهذه البساطة، فالرأسمالية والسوق والقوى التي تحركهما هي عبارة عن آليات، وليست أشخاصًا يكفي القضاء عليهم أو إضعافهم لحل المشكلة. وأولئك الذين هم على المنصات، أو في البرلمان، أو الكتب، أو الشتائم، ويستخدمون لغة المقاومة (كما لو كانوا يواجهون النازيين، أو كانوا هم أنفسهم داخل الأدغال). يتعين عليهم أن يفكروا مرتين قبل أن يتعلقوا بقضايا دستور “مجموعة مانوشية” جديدة في مواجهة السلطة الشمولية. اليوم، على أي حال، لا جدوى من تحديد المسؤولين في بلادنا؛ حيث تسود ديمقراطية شكلية إلى حد كبير بكل تأكيد. ما يهم هنا، ليس هو إسقاط الزعماء أو القادة القابلين للتناوب إلى حد ما، ولا حتى الشخصيات القيادية للبلوتوقراطية المنتصرة، بل المهم هو تغيير الآليات التي أدى بها ترتيب الديمقراطية والسوق إلى الكارثة الحالية بما فيها الكارثة البيئية.

يبدو مثل هذا الأمر أقل رومانسية بكثير، ويتطلب القليل من الشجاعة الجسدية، لكنه في المقابل، يقتضي الكثير من المعرفة والمهارة والتكتيك، والاستراتيجية كي يتم التحرك في الوقت المناسب، والمكان المناسب، من أجل ضمان تغيير إيديولوجية العالم، وتغيير قواعد اللعبة أيضا. إن القيام بعكس هذا، لن يغير أي شيء في العالم، ولكنه سيفسح الطريق ببساطة أمام قوى شمولية جديدة، ليست بالضرورة مثيرة للإعجاب أكثر من قوى اليوم. في هذه المعارك، سيتم الترحيب بكل أنواع الغضب والهيجان شريطة أن يفهم الرهان، ولا يتم تحويل الآمال عنه.

شارك برأيك