محمود درويش – اليوم 24

محمود درويش

  • ديمقراطية الكرة..

  • الملك والصحافة

 

عشر سنوات مرت على رحيله، كان خلالها الأكثر خفة وثقلا بين كل الشعراء العرب. وإلى الآن، تفتح الفايسبوك فتلفحك أشعاره حتى على صفحات المراهقين جنب صور مشاهير الكرة ونجوم الغناء الذين يتغيرون كل موسم، ويبقى هو واقفا كشجرة حور تناطح السحاب. وفي الوقت الذي يتحدث العالم عن أزمة الشعر، ويفر الشعراء، تباعا، بأسمائهم من أغلفة الدواوين إلى الروايات، يصرخ هو فيهم: «مازال الشعر ممكنا».

عرفت محمود درويش أواسط الثمانينات، وهي آخر عهود ممارسة السياسة بالثقافة. وعندما قرأت «مديح الظل العالي» صرت ما أناهُ اليوم، والباقي تفاصيل. لقد لخص الصديق يحيى بن الوليد علاقة جيلنا بدرويش بقوله: «عندما تبين لي أن ما أحاول كتابته من قصائد لن يكون سوى محاكاة لمحمود درويش، توقفت عن كتابة الشعر». كنا جيلا يرى العالم من خلف نظارتيه السميكتين، وكلما سابقناه إلى الحداثة وما بعدها، عثرنا عليه هناك، وكلما تشاددنا عليه في المواقف غلبنا. حتى عندما أوقعتني مجلة «الناقد» في ورطة أنسي الحاج، لم أكن أتخلص من درويش إلا لأعود إليه. كنت أحب أسئلة أنسي وأجوبة محمود، ثم اكتشفت أنه ضاق بأجوبته، فجاءت أعماله الأخيرة مثقلة بالشعر متخففة من الجواب، ولم يتردد في التعبير عن رغبته في التخلص من كثير من نصوصه المليئة بالحماس.

عندما أراه الآن يزداد توهجا وسط انطفاء كثير من الأسماء الشعرية التي مازالت بيننا، أتساءل: ألن يكون محمود درويش هو المجدد المنقذ للشعرية العربية من البوار؟ وأتذكر ذلك التوق الذي بثه أنسي الحاج في إحدى خواتيمه، حين تمنى ظهور شاعر يخرج القصيدة من هاويتها. فمن أين يمتح درويش قوته ووهجه الشعري؟

أولا، أليس من مشيته الهوينى نحو الكونية، حيث لم تغوِه الحداثة للتحلل من مجاورته للمتنبي.. فكان محاورا بارعا للشعر العالمي دون انبهار به ولا إدبار لذاته؟ لكن، ألم تعقه غنائيته في الترجمة عن الانتشار أكثر؟ من الممكن، ومن المؤكد أيضا أن الهرولة نحو العالمية قتلت كثيرا من الشعراء في منتصف الطريق؟

ثانيا، لعل محمود درويش هو الشاعر الوحيد بعد المتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وزاوج بين الشعرية والجماهيرية. لم تغوِه الثانية ولم يفرط في الأولى… من منا لا يذكر صرخته الشعرية: «كفانا من هذا الحب القاسي»، تعبيرا عن رفضه التعامل معه شاعرا ناطقا باسم قبيلة اغتُصب حقها، فهو، قبل أن يكون فلسطينيا، شاعر؟

ثالثا، ألم يدفع درويش برؤيته التحررية إلى أقصاها عندما طوعها للانتقال من تحرير بلده من محتلها، إلى تحرير رؤيته إلى ذلك المحتل، فالسعي إلى تحرير المحتل من نفسه: «إلى قاتلٍ/ لو تأملت وجه الضحية/ وفكرتَ/ كنتَ تذكّرْتَ أمّكَ في غرفة الغازِ/ كنتَ تحرّرْتَ من حكمة البندقية وغيَّرتَ رأيكَ/ ما هكذا تستعادُ الهويّة». لقد قال عنه أدونيس عندما قدمه أول مرة إلى الجمهور الألماني: «في الكلمة العربية ‘‘المحتل’’ التباس فهي تشير في آن إلى من يقوم بالاحتلال وإلى من يقع عليه الاحتلال، هكذا تبدو الذات مشغولة بالآخر بدئيا، فيما يبدو الآخر مقيما في الذات. وهو التباس يساعد إلى حد في الاقتراب من شعر محمود درويش».

رابعا، وهل ننسى غضبه الشعري من اتفاقية أوسلو، وانسحابه الصامت من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية: «أغلقوا المشهد/ انتصَروا/ صوَّروا ما يريدونه من سماواتنا/ نجمةً.. نجمةً/ صوَّروا ما يريدونه من نهاراتنا/ غيمةً غيمةً/ غيروا جرس الوقت/ وانتصروا»؟

خامسا، ومن يملك قدرته على السخرية الشعرية من المستبد العربي، الجاثم على أنفاس شعبه، خصوصا حكام الأنظمة العسكرية الذين كانوا يمصون دماء شعوبهم بالفم نفسه الذي يرددون به الشعارات الثورية والتحررية: «بعد شهر يلتقي كل الملوك بكل أنواع الملوك من العقيد إلى الشهيد، ليبحثوا خطر اليهود على وجود الله، أما الآن فالأحوال هادئة تماما مثلما كانت»؟

محمود درويش شاعر وعى شروطه الشعرية والوجودية والتاريخية.. فكان يعرف متى يجمعها وكيف يفرقها. فمر خفيفا وحفر عميقا.

شارك برأيك