علمنة بلال.. – اليوم 24

علمنة بلال..

  • من دولاب السياسية..

  • القوس المفقود..

“بلال .. بطل من فصيلة جديدة” عنوان فيلم رسوم تحريكي ثلاثي الأبعاد (animation) صدر عام 2016، يفترض أنه يحكي قصة الصحابي الجليل بلال بن رباح مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم. الفيلم من إنتاج شركة “باراجون إنترتاينمنت” ومقرها الإمارات العربية المتحدة، وتضم داخلها كفاءات عربية وأجنبية في مجال مهن السينما، ومن إخراج مشترك للمخرج السعودي أيمن جمال وكورام ألافي.

الفيلم، وفقا للقائمين عليه، تطلب جهدا كبيرا ووقتا طويلا وتعبئة موارد وكفاءات عالمية في مجال أفلام الرسوم ثلاثية الأبعاد والسيناريو والكتابة والتوضيب وأداء أصوات الشخصيات وغيرها. شاهدتُ الفيلم قبل أيام وبعد سنتين تقريبا من طرحه في أسواق العرض. شاهدته لأرى كيف قدّم الفريق الذي يقوده المخرج السعودي تلك الشخصية المسلمة الفذة للغرب باستعمال أقوى وسائل الإعلام والتأثير الحديثة: صناعة الأفلام. فكانت النتيجة مزيجا من الخيبة والسرور.

سرور من مستوى الفيلم الفني-التقني باعتبار أنه من إخراج شركة تشتغل من داخل العالم العربي وتضم بينها كفاءات عربية وأجنبية شابة، وبإخراج سعودي. فقياسا إلى سوق متطور جدا في صناعة أفلام التحريك، ما قدمه فريق الشركة من جهد مشرف جدا.

فالفيلم كان مبتكرا وجاء محملا بشحنة قوية من الغموض والإثارة والمتعة، وكلها سمات ضرورية لتمرير رسالة الفيلم. لكن رسالة الفيلم سبب الخيبة.

بشكل انهزامي قتل المخرج السياق الديني والتاريخي لسيرة بلال. حين تشاهد الفيلم لا تفهم هل بلال كان بطلا مسلما أم ثائرا شيوعيا أم قائدا سياسيا لحركة تحريرية ما. أُم بلال تحدثه عن “ضرورة كسر القيود التي لا تراها العين، القيود التي في داخلك”، والصحابي أبو بكر الصديق، الذي تم تشخيصه في الفيلم، يبدو أقرب إلى زعيم حركة تحررية سرية ويتحدث لبلال عن قيم “العدل والمساواة  بين البشر والحرية”، وبلال يردد لأخته ما يسمعه من “قيم المساواة والحرية والعدالة”، وأن لا فرق بين السيد والعبد، ويردد في وجه أميّة بن خلف أنه حر وهذا الأخير يعذبه. وحمزة بن عبد المطلب يظهر فجأة ليعلمه فنون المبارزة ويبدو ممثلا للجناح المسلح للحركة.

ومضتان فقط تمرّان في بضع ثوان لعلاقة الحالة التحررية لبلال بدين ما. الإشارة الأولى هي حين يضع صفوان ابن أمية، مجموعة من الأصنام الخشبية الصغيرة على رأس بلال ويطلب منه أن يعدّها بينما حجر ثقيل فوق صدره (كما في القصة الفعلية) فيقول “أَحد أحد”، والترجمة من عندي، لأن الفيلم عُرض بالإنجليزية وفيه يقول (One-only one) ولا أعرف هل سيفهم المشاهد الغربي قوله هذا بأنه يقصد أنه لا يوجد إلا إله واحد، أم أنه يقصد أنه لا يوجد إلا إله واحد وهو الحرية، بما أنه يرفض أن يبقى عبدا لدى سيده.

الإشارة الثانية هي في مشهد دخول بلال إلى المدينة مع أبو بكر وباقي المهاجرين الذي يجري على صوت أنشودة “طلع البدر علينا” الشهيرة في العالم الإسلامي، لكن في غياب أي إشارة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام أو السبب الديني للهجرة. بل أكبر من ذلك، لا يفوت المخرج إبراز خامة بلال الصوتية حين يطلب منه أمية– قبل تحريره- أن يغني في مجلس لسادة قريش، فيغني بصوت رخيم (بالإنجليزية) كلمات حزينة بلا عمق ولا معنى. لكن حين يصل المدينة، يصعد بلال “مكانا لاجتماع المسلمين” (لا ترد كلمة مسجد)، ويظهر أنه يهم من فوق ذلك المكان بالأذان (هذا ما أستشفه باعتباري مسلما لا أدري هل الأمر سيان عند المشاهد الأجنبي)، ليلقي من هناك “نداء الحرية والعدالة”، ثم تنتهي اللقطة بلا أذان.

سيقول قارئ إن الفيلم يسوق للإسلام بطريقة مبدعة. أعترض لأن الفيلم يعلمن بلال ويخرجه من سياقه الديني والتاريخي والإسلامي، ويقدمه على مذاق الغرب وبقاموسه وأفكاره وكلماته وتعبيراته.  قصة بلال السينمائية قصة عامة بلا ملامح مميزة ولا علامات خاصة. إنسان عانى من العبودية، تأثر بفكر زعيم سياسي أو حركة تحريرية، انضم إلى صفوفها وثار على النظام الذي استعبده. ما السر في ذلك؟ ما المميز في قصة هذا البطل؟ من هو أبو بكر الصديق هذا الذي تأثر به؟ لا جواب.

شارك برأيك

مواطن*

آسي واعيس ! لا تحلم و عليك أن تحمد الله على أن مخرجي الفيلم اكتفوا بهذا “اللبس” الذي تشير إليه. مادامت “الحقيقة” في كل شيء مباحة، كان بإمكان “تقويل” بلال أي شيء : “يهودية القدس” مثلا عملا بما ذهب إليه محمد بن سلمان. عليك إستحضار ما قاله عن حق وزير أثيوبيا اﻷول مؤخرا للإماراتي محمد بن زايد حول اﻹسلام و ضياعه عند “اﻷعراب”.

إضافة رد