كــــــنـــــز(ة) – اليوم 24

كــــــنـــــز(ة)

  • من ضيع اللبن؟

  • لِمَ تصلح النقابات؟

 

سوق السيارات بالمغرب ينتعش بشكل تصاعدي. المواطنون المنهكون جراء تردي خدمات المواصلات العمومية، يدفعون بأرقام مبيعات شركات السيارات إلى سقوف جديدة كل عام. هذا تخطيط جيد للتخلص من الضغوط العصبية المرافقة لركوب الخردة التي تسمى جزافا بالنقل العمومي. وهذه التقليعة التي تبدو، ظاهريا، وكأنها ميزة صعود الطبقة المتوسطة في البلاد، لا تتوقف عند حدود حلم الحصول على سيارة. هناك جيش من الموظفين والمستخدمين ذوي الياقات البيضاء ممن يحذوهم أمل مضاعف: الحصول على سيارة خدمة. يبدأ الموظفون في القطاع الخاص، عادة، في مناقشة شروط عقودهم بالاستفسار عن وجود سيارة خدمة في الوقت نفسه الذي يجري فيه التفاوض على الأجر. وقد أصبحت الشركات تتعمد توسيع حظيرة سياراتها لتقديمها إلى أطرها مثل حلوى شهية تعفيها عن مناقشة أوسع لشروط العمل. تأمين سيارة خدمة وكمية جيدة من الوقود كل شهر على حساب أرباب العمل هدف بات في متناول الأطر. لماذا لا يسعى القطاع العام إلى فعل الأمر نفسه؟

في الواقع، كانت الدولة تقدم سيارات الخدمة بطريقة ليس فيها أي ذرة من الاحتشام. كانت مئات آلاف السيارات تسلم دون قيود تقريبا لجيش الموظفين العموميين، وكان يمكن لإطار أن يحصل على سيارتين أو ثلاث، وأن يستخدمها وكأنها ملكية خالصة له. عندما أصبح عبد الرحمان اليوسفي وزيرا أول، وضع سيارات الدولة هدفا أمامه. لم يسع إلى التخلص منها، لكنه حاول أن يُقيد استخدامها. في تلك السنوات القصيرة، حصل شيء مبهم، فقد ظهر وكأن اليوسفي قد نجح في مهمته، وشعر الناس بأن سيارات الدولة لم يعد يساء استعمالها، وتقلصت أعدادها بشكل كبير، ونقصت تبعا لذلك الميزانيات الهائلة التي كانت ترصد لجعل حياة الموظفين المفضلين سهلة.

ذهب اليوسفي وتبددت معه كل الآمال، كما حدث لكل شيء مرتبط بهذا الرجل. لم تُغير القوانين في عهده، وبالكاد تبدل السلوك العام إزاء سيارات الخدمة بشكل طفيف. لكن ما حدث، في الواقع، هو أن الإجراءات التي سوقت وكأنها تقشفية في عهد اليوسفي، إنما كان تأثيرها مثل ترك شخص يجوع فترة طويلة، ثم تفتح له موائد الطعام دفعة واحدة.

الشراهة التي يبديها الموظفون العموميون، والأفراد الذين يعملون في وظائف عامة، سواء كانوا معينين أو منتخبين، تظهر كم كان اليوسفي واهما. سيارة الدولة باتت الآن حقا أصيلا، ولا يمكن لأحد سحبه. الوظيفة العامة باتت دون أي معنى إن لم تكن مصحوبة بسيارة الدولة. وإذا كنت تشعر بالاشمئزاز من وجود موظف بسيارة عامة في شاطئ قصيّ، فإنك دون شك لا تفهم الواقع الجديد. وإليكم من يفهم أكثر: المنتخبون. هؤلاء الأفراد الذين غالبا ما تكون حاجتهم إلى سيارة دولة مجرد انعكاس لنزعة تكبر دفينة تغذيها رغبة في الظهور بمظهر سلطة محترمة، يستطيعون –وقد نجحوا في هذا- أن يبرعوا في الطرق التي يمكن أن تستخدم بها السيارات التي يفترض أن دافعي الضرائب هم من يسدد ثمنها وثمن وقودها.

أخبرني مندوب مبيعات سيارات «تويوتا» أن طلبات الجماعات على سياراتها أخذ منحى تصاعديا في السنين الأخيرة. سيارات «تويوتا»، التي تظل أسعارها مرتفعة مقارنة بعلامات أخرى، باتت مفضلة لدى المنتخبين. ولا ريب أن شركة «داسيا» تشعر بهذا، لأن المنتخبين لم يعودوا يعتقدون أن سيارات هذه الماركة التي تصنع محليا، من شأنها أن ترفع قدرهم إلى المستوى المناسب. تعطى «داسيا» للموظفين، فيما يحصل المنتخبون على «تويوتا»، ولا فرق بين أن تكون سيارة من الحجم العائلي أو رباعية الدفع. التعليمات التي نسمع عنها أحيانا حول عدم التأشير للجماعات لشراء سيارات تفوق أسعارها خيال أكثرية المواطنين، لا وجود لها في الواقع. إن المنتخبين –وهذا ليس استهدافا لحائط قصير كما يقال- يشبعون جوعا قديما إزاء السيارات.

يحكى أن الحبيب الشوباني عندما كان موظف تعليم، كان يملك سيارة رونو قديمة ورخيصة حسب الميزانية، وكان أصهاره المقيمون في الخارج، يستقدمون سيارات الـAudi، ويركنونها بجانب سيارته. يحق له أن يشعر بالغيرة. بعدما تولى منصبه الحكومي، كان أول ما فعله هو أن اختار لنفسه سيارة Audi على حساب الحكومة. وعندما أقيل من منصبه، وتولى منصب رئيس جهة، قرر أن يختار لنفسه، على حساب جماعته، سيارة أفضل. لمَ لا تكون سيارة رباعية الدفع من العلامة الأكثر رقيا. وتلك السيارة نفسها قد تصادفها تمخر شوارع الرباط إذا جاء الرجل في مهمة.

ليس غريبا، إذن، أن تتحول سيارات الدولة في هذا العهد إلى كنز، ويمكن لشخص مثل أحمد اخشيشن، الذي لم يذق طعم الثراء إلا متأخرا، أن يتسامح بهذا الخصوص أكثر، وأن يمنح كنز جهته لكنز(ته) لتمخر شوارع الرباط هي أيضا، دون حرج.

شارك برأيك