محمد مفتاح: المغاربة موسميون وتحولنا إلى العبودية المادية – اليوم 24
محمد مفتاح
  • مريم بن مبارك

    بعد جدل مشاركتها بمهرجان إسرائيلي.. بنمبارك تعرض “صوفيا” في المغرب

  • حرض مسرحي ايطالي - بالي ميلامو - شهرزاد ألف ليلة و ليلة  (6)

    الخادمتان والأسدي يمثلون المغرب فى مهرجان المسرح التجريبى بمصر

  • نبيل عيوش

    عيوش: «أنا ضد التطبيع، ولن أذهب إلى «إسرائيل»

حوارات

محمد مفتاح: المغاربة موسميون وتحولنا إلى العبودية المادية

حوار مفتوح هو لقاء لـ«أخبار اليوم» مع القوة الناعمة المؤثرة في الرأي العام. فنانون ومثقفون مغاربة نطرح عليهم السؤال حول فيلم

 أو عمل فني من جنس آخر كان له الأثر في حياتهم، ومنه ينطلق التفاعل لطرح أسئلة أخرى مفتوحة. ضيف الحلقة الخامسة الممثل القدير محمد مفتاح.

ما هو العمل الفني الذي طبع ذاكرة محمد مفتاح وترك الأثر الجميل على روحه؟

شكل المسرح بالنسبة إلي الرقم الأول من حيث الاهتمام. وتركت العديد من المسرحيات الأثر الكبير في منذ ستينات القرن الماضي. ومن تلك المسرحيات مسرحية «مومو بوخرصة» وهي اقتباس للراحل الطيب الصديقي، وهو عمل فيه إبهار وينم عن «علم» فني مسرحي، و«ديوان عبد الرحمان المجذوب»، التي يظهر تأملها أنها شكلت نقطة تحول في مسار المسرح الوطني المغربي، وهذا العمل هو ما أخرج المسرح المغربي من الاقتباس وصار يعتمد على التأليف. ثم مسرحية «مدينة النحاس» التي كتبها محمد سعيد الصديقي الملقب بـ«عزيزي» وهي مسرحية من أجمل المسرحيات، لا وجود لها في الأرشيف، والشيء نفسه بالنسبة إلى مسرحية «الراس والشعكوكة»، هذا العمل أعتبره من أجمل المسرحيات التي اشتغلنا عليها في المسرح البلدي مع الطيب الصديقي، وقد عرضت سنة 1969، وهي من توقيع «عزيزي» أيضا.

دعنا نحدد عملا مسرحيا واحدا بين كل ما سبق كان الأقوى من كل جوانبه برأيك؟

ليس سهلا الحديث عن عمل واحد، لكني أتذكر دوما عملا مسرحيا كان له عميق الأثر في ذاكرتي. وهو عمل شاركت فيه، ويتعلق الأمر بمسرحية «الوجه والقفا»، وهي مسرحية مقتبسة من عمل أجنبي، وتتضمن شخصيتين، وقد لعبتها أول مرة رفقة شفيق السحيمي في مسرح «جانفيليي» بباريس سنة 1976، وأعدنا عرضها في المغرب سنة 1982. وكنت المخرج في التجربة الأولى، والتجربة الثانية كانت من إخراج السحيمي. وأعدنا تقديم المسرحية لاحقا سنة 1984، بإخراج جديد وقعه حميد الزوغي.

 غير ما ذكرت، ما الذي يميز مسرحية «الوجه والقفا» عن باقي المسرحيات التي شاركت فيها أو تلك التي شاهدتها؟

بالنسبة إلي، المسرحية تمثل تحديا بتضمنها شخصيتين عليهما جذب الجمهور مدة ساعتين دون توقف. وفي هذا نجح كاتب المسرحية.

المسرحية أيضا قوية بموضوعها، فالشخصيتان المحوريتان فيها هما مثقف وعامل مهاجر عادي من العموم، الأول طالب في جامعة السوربون يهيئ أطروحة الدكتوراه حول فكر العبودية، ويشتغل باحثا عن جواب لسؤاله: «من كرس العبودية، هل السيد أم العبد نفسه؟». وفي سبيل ذلك يتجه نحو معاينة نماذج حية، فيختار عاملا في فرنسا، من المهاجرين القادمين من إحدى بوادي المغرب، ويسكن معه في «قبو» يقيم فيه، ويبدأ بدراسة سلوكه وفكره عن قرب.

هدف العامل هو جمع المال والعودة إلى «البلاد»، بسيارة محملة بآلات ومعدات منزلية، ويتمكن من بناء بيته في وطنه، ويقيم حفل زفاف. وهذه كلها أشياء يعتبرها المثقف من الضروريات والبديهيات، لكنها أحلام بالنسبة إلى العامل القادم من بلد لا حقوق فيه. وتبعا لذلك يصبح العامل عبدا لأن يملك سيارة، وعبدا لرغبته في أن يبني بيتا، وعبدا لأمنيته أن يملك ثلاجة أو مغسلة، وغير ذلك، لأن دولته لم توفر له هذه الضروريات.يخلص المثقف إلى أن هذا العبد هو من يكرس هذه العبودية. وهذا الموقف يتغير جذريا بعد أن ينتفض العامل تحت الضغط، فيبدأ في تمزيق الأوراق المالية التي كسبها، فيحاكيه المثقف ويشرع في تمزيق أوراق أطروحته، معتبرا أن انتفاضة العامل وثورته على واقعه الروتيني دليل على انعدام الحقيقة في أطروحته.

أي دور جسدته هل العامل أم المثقف؟

لبست دور العامل. وهذه الشخصية لم تكن سهلة أبدا. كما هو الشأن بالنسبة إلى شخصية المثقف. وقد شكلت المسرحية برأيي حدثا مهما، وهو ما دفع الراحل جمال الدين الدخيسي، الذي كان آنذاك مديرا للمسرح الوطني، إلى تقديم محاضرة بخصوصها، كما تناول مقاطع منها لتدريسها في المعهد العالي للتنشيط المسرحي.

جدلية العبد والسيد يصعب حسمها بالقول إن طرفا واحدا هو من يكرسها، وهي مستمرة منذ زمن، بشكل عام. إذا تحدثنا بشكل خاص، هل كنت متأثرا بمظاهر معيشة أو تلاحظها للعبودية في الوقت الذي شخصت فيه دور العامل عبد أمنياته في بلد الغربة؟

العبودية موجودة منذ القدم، وما نعرفه كمسلمين أن الإسلام جاء وحرر الناس، لكن الدول الإسلامية التي نشأت وتوالت على حكم العالم الإسلامي، ومنهم الأمويون والعباسيون ومن تلاهم، تبنوا سوق النخاسة. وكل القصور تضمنت عبيدا وإماء.

إذا تحدثنا عن العبودية في الوقت الراهن، كيف تحدد ملامحها؟ وما أهم مظاهر العبودية، إن كنت تراها موجودة في واقعنا المغربي؟

اليوم تحولت العبودية المتعارف عليها إلى عبودية من نوع آخر، وهي عبودية المادة. الفرد أصبح عبدا لأشياء في الأصل ليست سوى احتياجات عيش، من آلات وسكن وغيرها. أشياء يكد ويعمل ويقهر نفسه في سبيل تحصيلها طول حياته. من ناحية أخرى، وإلى وقت قريب في المغرب كان لدينا ما يصطلح عليه بـ«الخماس»، وهو في الأصل عامل لكنه دون حقوق، إذ يظل طيلة اليوم تحت إمرة صاحب الشأن، يشتغل في أي وقت يطلبه فيه، دون تحديد ساعات العمل، أو ما يجعله يشعر بأنه حر في الاختيار. ومن هنا فهذا العامل المغربي أقرب إلى العبد، إن لم أقل إنه فعلا عبد.

طيب، إلى أي مدى تخلصت أنت من هذه العبودية المادية التي تحول إليها المجتمع تحت ذريعة توفير الاحتياجات من سكن وسيارة وما شابه، وإن اختلفت قيمة الأشياء والطموحات؟

التخلص من هذه العبودية أمر غير ممكن، لأن هذه الطموحات والأشياء تحت سيطرة الأسياد. الواحد منا عبد لطموحاته، وطموحات الفرد اليوم في يد أسياده.

نخلص من كلامك إلى أننا انتقلنا إلى عبودية أسوأ من العبودية المتعارف عليها قديما، وهي أن الفرد أصبح عبدا لأشياء في يد الأسياد، بعدما كان عبدا للأسياد بشكل مباشر؟

هذا موضوع شائك ومتشعب.. لكني أفضل اختصار القول في جملة أكررها وهي أن الفرد صار عبدا لطموحاته، طموحات قد تسلبه تفكيره وجهده طول حياته في سبيل تحقيقها.

هل الارتباط بالطموح وإن كان ماديا شيء سلبي برأيك؟

الطموح نوعان، خاص وعام، الأول لا يفيد غير صاحبه، وقد يرهقه الجري خلفه، كأن يرغب في الحصول على سيارة مثلا. أما الطموح الثاني ففائدته عامة، كأن يطمح الفرد إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية للمغاربة عامة، مثلا أن يكون طموحه توفر مستشفيات حقيقية وتطبيب جيد بدل الوضع الكارثي الحالي الذي يعانيه المغاربة، أو أن يطمح إلى أن يختفي المتسولون من شوارع المغرب، وأن يطمح إلى مغرب يعيش بكرامة… وما شابه ذلك. وهذا طموح نادر لدى الأفراد.

أكيد أن جل المغاربة يطمحون إلى المغرب الذي تحدثت عنه، لكن السؤال: هل يعمل الفرد لتحقيق الطموح العام مثلما يعمل لتحقيق الطموح الخاص؟

في هذا الصدد أقول إن المغاربة موسميون. وأقصد بذلك أن مطالبهم موسمية ومرتبطة بحدث أو أحداث مناسباتية. فتجدهم حين ينادون بتحسين وضع، لا يتمسكون بالنداء في مختلف مراحل تطوره، وحين يطالبون بحق ما لا يناضلون من أجله حتى تحقيقه.

وهذا يعني أنه لا توجد سيرورة منطقية لتحقيق الطموح العام.. لا توجد سيرورة منطقية لتحقيق المشاريع الاجتماعية والاقتصادية. وهذه أشياء تحتاج إلى رغبة حقيقية وتمسك بها من المواطن، مثلما تحتاج إلى إرادة سياسية.

شارك برأيك