20 غشت.. السلطان يرفض الخضوع والشعب ينتـفـــــض – اليوم 24
ثورة الملك والشعب
  • لماذا لا يأكل «الحراڭة» البسكويت؟

  • ناصر بوريطة

    المغرب لن يعترف باستقلال كوسوفو مقابل حياد صربيا في الصحراء

  • التغطية الصحية وتقاعد المستقلين.. خطوة جديدة

الرئيسية

20 غشت.. السلطان يرفض الخضوع والشعب ينتـفـــــض

 

قصة ذلك اليوم الذي أصبح فاصلا بين ما قبل وما بعد نفي السلطان، تستحق أن تروى كل عام، بالنظر إلى دروسها وارتباطها بالسياق المغربي. هذا السياق الذي يتسم باستمرار النقاش حول دور ومكانة المؤسسة الملكية، وحتمية ذلك الالتحام الحقيقي بينها وبين القوى الوطنية من أجل مواجهة التحديات، سواء كانت داخلية أم خارجية. الذكرى تحل هذا العام والمغرب يطرح أسئلة كبرى حول مصير مشروعه الوطني لعبور الجسر المؤدي إلى التنمية والديمقراطية.

تحل غذا الاثنين الذكرى الـ55 لما يعرف بثورة الملك والشعب، أي ذلك اليوم الذي اشتعل فيه المغرب بالغضب والاحتجاجات ومقاطعة المنتجات الفرنسية، بسبب إقدام سلطات الاستعمار على نفي السلطان محمد بن يوسف. قصة ذلك اليوم، الذي أصبح فاصلا بين ما قبل وما بعد نفي السلطان، تستحق أن تروى كل عام، بالنظر إلى دروسها وارتباطها بالسياق المغربي. هذا السياق الذي يتسم باستمرار النقاش حول دور ومكانة المؤسسة الملكية، وحتمية ذلك الالتحام الحقيقي بينها وبين القوى الوطنية من أجل مواجهة التحديات، سواء كانت داخلية أم خارجية. الذكرى تحل هذا العام والمغرب يطرح أسئلة كبرى حول مصير مشروعه الوطني لعبور الجسر المؤدي إلى التنمية والديمقراطية.

20 غشت، هذا التاريخ يرمز، في حقيقة الأمر، إلى حدث أكثر خطورة وإثارة للرهبة في النفوس، لأنه اليوم الذي اقتحمت فيه قوات مسلحة أجنبية، على رأسها جنرال فرنسي، قصر الملك في عاصمة مملكته، وأخرجته من فراش قيلولته رفقة ابنيه، مولاي الحسن ومولاي عبد الله، وهم جميعا بملابس نومهم، وأشهرت فوهات الرشاشات في وجوههم ونحو ظهورهم، لكي تقتادهم إلى طائرة عسكرية لتُبعدهم عن البلاد.

20 غشت 1953 كان يوما أسود على المغرب، لكنه كان في حقيقة الأمر تاريخ ميلاد ملكية جديدة بأرض «مراكش» المحتلة. ملكية مناضلة مقاومة، متمتعة بشرعية شعبية وتاريخية ودينية. فكان بذلك محمد بن يوسف أول ملك علوي أشهر سيف مشروعية حكمه في وجه الخصوم منذ تداعت دولة العلويين بعد رحيل الحسن الأول، وأصر على حمل صكّ المشروعية هذا في جيبه إلى منفاه، وتوريثه لابنه البكر مولاي الحسن. كانت لحظة اصطدام وصراع بين كتلتين عظيمتين، الإسلام والعرب وإفريقيا والنضال والوطنية وحقوق الضعفاء من جهة، والاحتلال الصليبي والاستيطان والمصالح الاقتصادية للشركات الغربية العملاقة من الجهة الأخرى. هذه القوى المغتصبة كانت تريد تكرار السيناريو الذي راح ضحيته السلطان مولاي يوسف قبل أكثر من ربع قرن، حين قاوم ما يُعرف بـ«الظهير البربري»، ليخطفه الموت سريعا، ويُعوّض بابنه الأصغر محمد، والذي وقّع، تحت تأثير دهشة التنصيب، على الظهير ذاته.

قصة ذلك اليوم تعود إلى بضع سنوات قبله، ففي بداية الخمسينات، عرض الفرنسيون على محمد بن يوسف حزمة مراسيم جديدة لكي يوقّع عليها. وكانت تلك المشاريع تنص على تغييرات مؤسساتية وتشريعية كبيرة، تجعل الفرنسيين، خاصة المعمرين منهم، يقتسمون دائرة القرار مع المغاربة، ويتولون بذلك الحكم المباشر للمملكة. وتقاطعت طموحات هؤلاء المعمرين والمستعمرين بأطماع ومواقف قياد وباشاوات وعلماء رأوا أن الخير سيكون بإضعاف محمد بن يوسف أو إزاحته.

ورغم المحاولة الجريئة التي قام بها المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، والذي كشف العديد من الحقائق التاريخية لمغرب القرن العشرين، فإن طبيعة العلاقات المغربية الفرنسية تحول دون كشف الأرشيفات الكاملة لما جرى ويجري بالمغرب. لذلك، تعتبر الوثائق التي تفرج عنها أرشيفات الدول الغربية، بناء على قوانينها الخاصة بالحق في الحصول على المعلومة، أحد المصادر الأساسية لاستكمال تفاصيل تلك الفترة من تاريخ المغرب. وفي مقدمة هذه الأرشيفات المفتوحة، يوجد الأرشيف الأمريكي الذي ينشر كل سنة حزمة من التقارير السرية والوثائق التاريخية التي انتهى الأجل القانوني لخضوعها للسرية.

وثيقة نشرت أخيرا، مؤرخة في 14 غشت 1953، أي أسبوعا واحدا قبل نفي فرنسا لمحمد الخامس، يقول فيها مكتب الاستخبارات الراهنة، التابع لوكالة الاستخبارات المركزية، إن ارتفاعا حادا في التوتر شهده المغرب بسبب «المكائد» (machinations) التي يقوم بها الباشا الكلاوي ضد السلطان «المعتدل والمتمكن سيدي محمد بن يوسف». وتذهب الوثيقة الأمريكية إلى أن الخلاف الطويل بين السلطان والباشا الكلاوي، قد جرى اقتراح حلّه من خلال إقامة دولتين منفصلتين، واحدة يرأسها السلطان محمد بن يوسف، والثانية يرأسها الباشا الكلاوي. الاقتراح صدر، حسب الوثيقة الأمريكية، عن الإقامة العامة الفرنسية بالمغرب، «وليست هناك أي مؤشرات على احتمال قبوله في باريس».

وثيقة أخرى تتضمن خلفيات الأحداث، وتفسيرا للصراع الفرنسي الإسباني: «عندما عزلت فرنسا السلطان محمد الخامس في 20 غشت 1953، أعلنت إسبانيا بشكل غير رسمي أن هذه الخطوة خرق أحادي الجانب لاتفاقية 27 نونبر 1912، التي أقامت الحماية الإسبانية في المغرب. وفي المقابل، رفضت الاعتراف بخليفته محمد السادس»، تقول الوثيقة، في إشارة إلى محمد بن عرفة. ويضيف البيان المرفق بالوثيقة الأمريكية، أن مدريد أطلقت يد الصحافة المقربة منها لمهاجمة القرار الفرنسي، فيما فتح الباب أمام الوطنيين القادمين من منطقة النفوذ الفرنسي، للحصول على اللجوء في المنطقة الخليفية في الشمال.

الوثيقة الأمريكية تقول إن خلفيات التوتر الفرنسي الإسباني تتضمن تلويحا إسبانيا قديما بخلق مملكة مغربية منفصلة عن المنطقة الفرنسية، «والصحافة التي تراقبها مدريد رددت ذلك كثيرا منذ شهر غشت الماضي». وأوضحت الوثيقة أن اجتماع 600 من الوطنيين المغاربة المقربين من إسبانيا في مدينة تطوان، يوم 20 يناير 1954، هو كان استعراضا أمام الرأي العام، بهدف إدانة السياسة الفرنسية، وإبراز السياسة الإسبانية، وتجديد البيعة المقدمة للسلطان المعزول محمد الخامس، «والمطالبة بفصل الحماية الفرنسية عن بقية المغرب، وترقية الخليفة (نائب السلطان) إلى دور الأمير المستقل».

وثيقة أمريكية مؤرخة في 17 يناير 1954، أعدت لحساب مجلس الأمن القومي الأمريكي، تقول إن فرنسا، وبعدما نقلت محمد الخامس من جزيرة كورسيكا القريبة في البحر الأبيض المتوسط، نقلته إلى جزيرة مدغشقر في أقصى جنوب القارة الإفريقية، بعد انتقاده السياسة الفرنسية. وتضيف الوثيقة أن باريس حضّرت بدائل أخرى لنفي محمد الخامس وجعله معزولا تماما عن الأحداث الجارية في المغرب. هذه الاحتمالات تتمثل في كل من جزيرة «نيو كاليدونيا» وجزيرة «تاهيتي» التابعتين لفرنسا جنوب المحيط الهادي، قرب أستراليا. وتضيف الوثيقة أن محمد الخامس كان حينها يقيم في جزيرة مدغشقر رفقة زوجاته وابنيه وعدد من بناته، وأن فرنسا تتعمد ترويج شائعات تقول إنه محاط بالحريم. وتقول الوثيقة إن باريس فشلت في انتزاع تنازل رسمي من محمد الخامس عن العرش، إلا أنها جعلته يلتزم بعدم انخراط أي من ابنيه في أي عمل سياسي، «لكن الجهود الفرنسية لتخفيض شعبيته في المغرب لم تنجح».

 

الكلاوي.. الخيانة

هناك تراكمات تاريخية كثيرة أججت علاقة السلطان محمد بن يوسف والباشا الكلاوي، وأزالت الرماد الذي كان يخفي جمرها. كانت المناسبة دينية، حيث إن القياد والباشاوات كانوا يحجون في هذه المناسبة الدينية إلى قصر السلطان بالرباط، ليؤدوا له التحية ويهنئوه بالمناسبة. وفي اليوم الذي يسبق هذا الاحتفال من سنة 1950، استقبل محمد الخامس باشا مراكش في لقاء خاص وعلى انفراد. وهو اللقاء الذي سينهي علاقة الرجلين بعدما سمع صوتهما يرتفع بالخصام من خارج القاعة. وينقل عبد الصادق الكلاوي رواية والده عما جرى خلال تلك الجلسة، حيث «رغب السلطان ألا يطرق الباشا أي قضية من القضايا، بما أن عيد المولد يخصص لتقديم التهاني. ومع ذلك، ألح الكلاوي أن يفرج عما يرغب في الإفصاح عنه، وهو ما كان بالمناسبة خطأ شنيعا».

وسوف تتواصل فصول الصراع، وبعد فشل محاولة 1951 لعزل محمد الخامس، بعدما «أكدوا له أن عزل السلطان سيتم، قبل أن يقع استدعاؤه في عز ليلة 24، وإخباره بصوت مرتجف بأن السلطان لن يعزل»، كما يقول عبد الصادق الكلاوي؛ كانت محاولة العام 1953 أكثر جدية وفعالية. «خصوصا لما نقل محمد بن عرفة من مدينة فاس، التي كان يسكنها مهملا بحومة عقبة السبع، إلى مدينة مراكش التي عرفت اجتماعات الكلاوي، ومن معه من العملاء، بإشراف رجال الإقامة العامة منذ يوم 13 غشت 1953 إلى يوم الـ19 منه، حيث كان تنشيط الأغبياء يتولاه عبد الحي الكتاني، والعميل المتجول ابن عمرو التجاني…»، يقول المؤرخ الراحل عبد الكريم الفيلالي في كتابه.

 

فرنسا تقامر بالعرش

يحكي الفيلالي كيف كان تاريخ ذلك اليوم، الذي هو يوم الخميس 20 غشت 1953، وفيه حصلت «قرصنة» لم يسبق لها مثيل في التاريخ، خططت لها حكومة فرنسا، وأشرف عليها باسم فرنسا الجنرال كيوم، ودفع ثمنها المستغلون من المستعمرين الفرنسيين ورؤوس المال منهم في المغرب العربي الكبير، «ليختطف أعظم ملوك العرب والمسلمين في عصره، وأحب الملوك من العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها…». اختطف محمد الخامس من قصره بالرباط، عاصمة مملكته في واضحة النهار وبطريقة لم يصدقها كل الذين رويت لهم من الكبار والصغار. لكن، كيف اختطف؟ وكيف جرى الاختطاف؟ ومن هم أفراد العصابة الذين أشرفوا على الاختطاف والذين كتبوا تلك الصفحة القذرة؟»، يتساءل الفيلالي.

عاد الجنرال كيوم من فرنسا في أول صباح يوم الخميس 20 غشت 1953، حيث استقبل بمطار النواصر، ومنه انتقل إلى مراكش التي كان قد حلّ بها ابن عرفة في اليوم الذي سبقه، حيث استقبله فيها الكلاوي على الساعة الخامسة صباحا، وإثرها عاد كيوم إلى الرباط، حيث اتصل بمحمد الخامس المحاصر في قصره، «ليكرر عليه النهيق المزعج باسم المراسيم، وهذه المرة بطريقة تختلف نغمتها عن السابق، فكان وكأنه يخاطب عدوا وليس العاهل الذي أسهم في إنقاذ فرنسا من ذل الألمان الذين كانوا بالأمس يوجهون الصفعات إلى وجه كيوم وأمثاله»، يروي الفيلالي.

كانت تلك المراسيم تهدف إلى إشراك الفرنسيين في التشريع في البلاد، «وبالتالي، اغتصاب السلطة من صاحبها الشرعي محمد الخامس… لقد تعرض محمد الخامس من أجل مقاومته تلك المراسيم الظالمة، وفي سبيل المحافظة على الذاتية المغربية، للتهديد وقال له المقيم العام، الجنرال كيوم، بكل وقاحة: ‘‘إن حكومة فرنسا لم تعد مسؤولة عن حماية محمد الخامس وأسرته كما تقضي بذلك معاهدة الحماية’’». لقد رفض محمد الخامس عرض الجنرال كيوم بطريقة لم تتحملها أعصاب المقيم. وهنا تقول المصادر الفرنسية إنه اتصل هاتفيا بوزير الخارجية، جورج بيدو، ثم قال له بالحرف: «إن جواب السلطان هو لا مطلقا». فأجابه بيدو: «اطلبوا منه أن يتنازل لابنه الثاني، واحذروا أن يلجأ إلى المنطقة الإسبانية. وإذا رفض أبعدوه بالطائرة إلى جزيرة كورسيكا»، كما ينقل عبد الكريم الفيلالي عن كتاب «مأساة سلطان مراكش» لعبد المجيد بنجلون، وكتاب «عش الزنبور» من تأليف كلود بايار. «لكن، لماذا الابن الثاني كما يقترح بيدو؟ لأن الأول، وهو ولي العهد، كان وقتها على سنن والده، ولأن الأمير عبد الله وقتها كان في سن الطفولة بعيدا عن السياسة»، يتساءل ويجيب الفيلالي.

ما كاد الجنرال كيوم يسمع أمر وزير الخارجية، حتى جمع كوكبة من العسكريين، وكان في مقدمتهم «دو تهيل»، وهو الذي كان مديرا للأمن، بل قيل إنه هو الذي أشار على كيوم بأن يكون الهجوم على القصر وقت القيلولة، وتحديدا الساعة الثانية والنصف بعد الزوال. «وهنا يأتي دور محمد الخامس الذي حسبه الجبناء من الفرنسيين أنه كان سيفاجأ ولن يتحمل المفاجأة، ونسي كيوم وعصابته أن محمد الخامس المسلم المؤمن كان يعد لكل هول لا إله إلا الله، ولكل مصيبة لا حول ولا قوة إلا بالله. لذلك، كان قد أحرق الكثير من الوثائق التي ربما تدين الآخرين، والتي ربما لم يعد ثمة معنى لبقائها، وأمر بتهييء بعض الحقائب ترقبا لشيء مجهول لا يزيد على مغادرة القصر الملكي بالعاصمة إلى جهة أخرى من المغرب. لكنه لم يكن أبدا يتصور ما سيحصل من اختطاف وقرصنة تبعده عن شعبه ووطنه»، يروي الفيلالي في كتابه «التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير».

بعد الاجتماع الطارئ الذي عقده كيوم بالإقامة العامة، والاقتراح الذي اقترحه دوتهيل، قدم لاتوردوبان، مستشار الحكومة المغربية، إلى الملك محمد الخامس مُخبرا بقدوم الجنرال كيوم. على أن رواية أخرى تقول إن الإخبار كان بالهاتف، والصحيح، حسب ابن الدار عبد الكريم الفيلالي، «هو ما سبق، لأن هاتف القصر كان مقطوعا من قبل، يقول محمد لمعمري وأحمد بن مسعود، وكلاهما عاش المأساة وعاين المسرحية من أولها إلى نهايتها».

 

اقتياد بالرشاشات

فوجئ محمد الخامس بقدوم الجنرال كيوم في ذلك اليوم القائظ، لكنه كان قوي العزيمة، والرواية التي تؤكد ذلك أوردها ابنه الحسن الثاني في كتابه «التحدي» وقال فيها: «لم يكن أمام والدي من الوقت أكثر مما يلزمه لارتداء جلابة فوق ثياب نومه. الحر خانق، والمقيم العام يتوجه إلى الملك قائلا له باختصار: ‘‘إن الحكومة الفرنسية لدواعي الأمن، تطلب منكم التنازل عن العرش، فإذا قبلتم ذلك عن طيب خاطر استطعتم أنتم وأسرتكم أن تقيموا في فرنسا أحرارا معززين مكرمين’’. وأجاب والدي بهدوء زائد وقال: ‘‘ما من شيء في أعمالي وأقوالي يبرر أن أتخلى عن أمانة أضطلع بأعبائها بصفة مشروعة، وإذا كانت الحكومة الفرنسية تعتبر أن الدفاع عن الحرية والشعب بمثابة جريمة يعاقب عليها، فإنني أعتبرها فضيلة يفاخر بها وتورث لصاحبها المجد’’، فرجا الجنرالُ السيدَ لمعمري، الذي كان اتصالنا به شديدا، أن يترجم إلى العربية كلماته بدقة: «إذا لم تتنازلوا حالا عن العرش بالرضا، فإني مكلف بإبعادكم عن البلاد صيانة للأمن». ولكي يستطيع السيد المعمري أن يترجم بأمانة، أجاب الملك بكلمات متمهلة قائلا: «إني ملك المغرب الشرعي، ولن أخون الأمانة التي ائتمنني عليها شعبي الوفي المخلص، إن فرنسا قوية فلتفعل ما تشاء». وهكذا كان كل شيء قد قيل، فطلب الجنرال إحضار أخي مولاي عبد الله وإحضاري، ثم التفت إلى الملك وقال: «هيا بنا لنأخذك أنت وولديك». ثم أشار إلى ضابط من الدرك الفرنسي، الذي تقدم فدفع، والمسدس بقبضة يده، والدي أمامه، وخشيت أن يرديه في المكان نفسه قتيلا، وتبعناه نحن، أخي وأنا، أيضا مدفوعين والرشاشات مصوبة إلى أظهرنا، ثم أركبونا سيارات دون أن يسمحوا لنا بتبديل ملابسنا، ولا أن نحمل أقل ما يمكن من متاع نحتاج إليه، وقادونا إلى المطار العسكري في السويسي، حيث وضعنا تحت الحراسة. وطلب والدي أن نشرب، لكنهم أصدروا الأوامر إلينا بأن نأخذ مقاعدنا في طائرة «دي سي 3»، التي كانت محركاتها تدور، فتدخلت عندها قائلا: «أبي مريض ولا يتحمل إلا بصعوبة زائدة السفر بالطائرة»، واستدعوا طبيب الملك، الدكتور ديبوا روكبير، الذي أسرع بالحضور، وأيد ما أبديته من مخاوف، لكنهم لم يعيروا أي التفات لأقواله، ومد دركي إناء حديديا فيه الماء ليشرب، فشكر ورفض. ودفعوا بنا نحو الطائرة التي أقلعت باتجاه مجهول، وكانت الساعة عندئذ تشير إلى الثالثة إلا الربع بعد الظهر».

هذه رواية الحسن الثاني في كتابه «التحدي»، أما رواية محمد المعمري، وزير القصور وبن مسعود الكاتب الخاص للملك، فينقلها عبد الكريم الفيلالي عن مقابلات عفوية، «حصلت في أكثر من مرة عندما كنت أمضي الوقت في انتظار خروج العاهل، وقد سجلتها قبل أن يصدر كتاب التحدي: بعد جواب العاهل برفض التنازل، عاد الجنرال كيوم وهو واقف ومعه الجنرال دوفال ودوتهيل ومجموعة الضباط والجنود الذين كانوا في انتظار الأوامر بسلم المنزه، وفي حالة عصبية وقد تبدلت سحنته وارتعش شاربه الأصفر وتهدج صوته، قال: «إذا رفضتم فلدي أوامر بإبعادكم حماية لحياتكم وحياة أسرتكم، لذلك، آمركم بالانضمام إلى المدير دوتهيل الذي ينتظركم في الغرفة المجاورة»، ثم انصرف في شبه فرار، ليقتحم مكانه في التو جنود مسلحون أحاطوا بالملك الأسير، وقتها وقف جلالته، وكان مرتديا ثيابا خفيفة عبارة عن جلباب أبيض فوق منامة وحذاء أبيض كذلك بلا جوارب. وما كاد يتقدم خطوة، حتى كان بجانبه وحسب الأوامر التي أصدرها المقيم بقوة وعنف، كل من سمو الأمير ولي العهد وشقيقه المولى عبد الله. وكان كلاهما خلف الستار الخشبي المزركش المخروط، وكان سمو ولي العهد لا يرتدي غير ثياب المنزل، منامة خفيفة تناسب قيلولة العشرين من شهر غشت. فتقدم بجانب والده كما هو بمنامته حيث وقف عن شماله وهو يقول بصوت غاضب: ‘‘كنا ننتظر هذا اليوم منذ مدة طويلة’’، ثم التفت ليرى شقيقه يدفع بيد جنديا ليلتحق بوالده وشقيقه، وأخذ الثلاثة طريقهم وسط زبانية من الجنود، تحوطهم تطبيقا للأوامر التي تلقاها دوتهيل من الجنرال كيوم». ومن التفاصيل التي ينقلها الفيلالي في كتابه، أن الوزير محمد لمعمري، كان في طريق اقتياد الملك وابنيه، فنزع عنه جلبابه وألبسه لولي العهد مولاي الحسن، «والذي لولاه لرأى العالم أروع صورة للأمير بمنامته».

 

المقاطعة سلاح المغاربة

وثيقة سرية أنجزت في بداية يونيو 1954، ترصد فيها وكالة المخابرات الأمريكية الوضع الأمني بالمغرب، مركزة على تطور المقاومة المغربية المتصاعدة، والتي تصفها بالإرهاب، ومدى تأثيرها على المصالح الأمريكية. الوثيقة تقول إن الأنشطة «الإرهابية»، أي العمليات الفدائية التي ينفذها الوطنيون ضد المستعمرين، تصاعدت وتيرتها بشكل كبير، وذلك رغم الرد القاسي الذي قامت به فرنسا. العمليات التي تصفها الوثيقة بالإرهابية، تشمل الاغتيالات والتفجيرات وإشعال الحرائق، والتسبب في انحراف القطارات عن السكة، وقطع شبكات الاتصالات. وتقول الوثيقة إن وتيرة العمليات تتجسد في عملية واحدة كل يوم.

الوثيقة الأمريكية تثير الانتباه إلى تطور وقع في العمليات الفدائية، يتجسد في استهداف المغاربة الموالين لفرنسا، فضلا عن استهداف الفرنسيين. وتوضح الوثيقة أن هذه العمليات الفدائية تتركز في المناطق الحضرية، «خصوصا الدار البيضاء»، لكنها أخذت في الانتقال إلى المجالات القروية. وتتوقف الوثيقة عند ما قالت إنها رصدته من تنام لمشاعر العداء للولايات المتحدة الأمريكية في صفوف المغاربة، لأنهم يعتبرونها حليفة لفرنسا. «فبسبب دعم الولايات المتحدة لفرنسا في الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1953، والدعم الأمريكي لفرنسا خلال عزل السلطان، تنامت مشاعر العداء ضد أمريكا». وتضيف الوثيقة أن عمليات المقاومة لم تستهدف بعد القواعد الأمريكية في المغرب، «لكن هناك توجها متزايدا لدى الوطنيين لربط الولايات المتحدة بالسياسات الاستعمارية لفرنسا».

أشكال المقاومة الوطنية للاستعمار الفرنسي امتدت، حسب الوثيقة الأمريكية، لتشمل مقاطعة المغاربة استهلاك السجائر الفرنسية، «ويعتزم الوطنيون توسيع ذلك القرار قريبا ليشمل حتى السكر والحليب». كما أوضحت الوثيقة أن الفلاحين المغاربة عمدوا إلى الكف عن استعمال الآلات الحديثة التي تأتي بها فرنسا، كما يعمدون إلى إحراق محاصيلهم الزراعية، «وتقول تقارير استخباراتية إن عمليات إحراق المحاصيل قد تمتد قريبا لتشمل أراضي المستوطنين»..  6

وفاة أم محمد الخامس بعد أسبوع

أقلعت الطائرة التي أقلت الملك إلى منفاه بعد اثنتي عشرة دقيقة من تحريكها، «ثم ما لبثت أن اختفت في الجو تسابق السحاب فرارا، وفي جوفها ملك عظيم، بل أنبل عظيم في عصره. ومن لطف الله بالمغاربة، أنهم لم يعلموا بما حصل إلا في الوقت الذي علمت به شعوب العالم، ذلك لأن الذين يحملون الخبر من أعوان القصر والخدم ظلوا محبوسين، أيديهم مرفوعة فوق رؤوسهم ووجوههم إلى الحائط مشدودة، وهم تحت حراسة مشددة»، يقول الفيلالي.

قطعت الطائرة المسافة بين الرباط وجزيرة كورسيكا في ظرف سبع ساعات لم يتلق خلالها محمد الخامس ولو حبة أسبرين أو قطعة خبز، وهو الذي لا يحتمل المكوث في الأماكن المغلقة. وطيلة مدة الرحلة، ظل الملك المعزول ممسكا بسبحته ولم يتفوه بكلمة. «وكان معنا وحولنا عدد من رجال الأمن الفرنسيين دون أن ينظروا إلينا وهم يتناولون ساندويتشات تحتوي على لحم الخنزير»، يحكي الحسن الثاني.

لم يقف محرك الطائرة بأجاكسيو في كورسيكا إلا في الساعة العاشرة وسبع دقائق ليلا، حسب إذاعة فرنسية بثت الخبر يومها، ثم لحقت بها طائرة تحمل أفراد الأسرة الملكية التي حطت الرحال هي الأخرى في عاصمة كورسيكا «التي لم يكن أهلها كباقي أهل الأرض يعلمون شيئا عن الغدر الحقير الذي أشرفت عليه حكومة فرنسا… كان مطار أجاكسيو منذ الساعة الثامنة صباحا قد غص بالجنود المدججين دون أن يعلم أحد أسباب وجودهم إلا المسيو «سافرو» محافظ المدينة، واختلق الفرنسيون فرية ضد محمد الخامس وهي أنه أبعد عن بلاده مؤقتا بسبب ثورة قام بها الشعب». وزيادة في التحدي -يضيف الفيلالي- قامت السلطات الفرنسية، إثر نفي محمد الخامس، بنقل محمد ابن عرفة من مدينة مراكش إلى قصر محمد الخامس في الرباط، حيث دخله يوم 22 غشت 1953 على الساعة الرابعة والنصف بتوقيت غرينيتش، وكان برفقته التهامي الكلاوي وعبد الحي الكتاني، كما أدى له فروض الطاعة محافظ مدينة الرباط العباس التازي.  وما كاد ابن عرفة يدخل قصر الرباط، حتى خرج منه طريدا بلعنات الجماهير، حيث أخذ إلى مدينة فاس. وما كاد يدخل قصرها حتى توفيت والدة محمد الخامس، أم سيدي الياقوت بعد أسبوع من اختطافه، «توفيت بالقصر الملكي في مدينة فاس، وذلك على الساعة الحادية عشرة من يوم الأحد 30 غشت، وصدرت الأوامر عنوة بعدم إشاعة الخبر حتى تدفن في الظلام، فكانت جنازتها صامتة، ورافقها كل من شيخ الإسلام وإدريس الغزاوي إلى مثواها الأخير جوار زوجها مولاي يوسف. وكان الخبر مما كدّر حياة محمد الخامس أكثر وهو في منفاه السحيق».6

600 مليون فرنك تعويضا ماليا من فرنسا للسلطان

يكاد محمد الخامس يكون السلطان الوحيد الذي عُزل بموافقة عدد من علمائه وأعيان قبائله، ونفي خارج البلاد بفعل التدخل الأجنبي، ومع ذلك استرجع عرشه بعد سنين قليلة من شغله من قبل قريبه محمد بن عرفة، الذي سماه رجال الحركة الوطنية بـ«السلطان الدمية». ومع كل ذلك، استطاع محمد بن يوسف، ليس الرجوع إلى عرشه فحسب، بل دفع فرنسا إلى تعويضه نقدا عن 26 شهرا من المنفى، وأسر السلطان حينها لرئاسة الدولة الفرنسية بأنه صرف ما يزيد على 70 مليون فرنك فرنسي بكورسيكا وحدها، ما دفع الحكومة الفرنسية إلى صرف عمولة نقدية بلغت 600 مليون فرنك فرنسي لمحمد الخامس تعويضا عن الأضرار المادية التي لحقته جراء المنفى، جرى الأمر بتحويلها إلى حسابه يوم 4 فبراير 1956، حسب ما سجّله الفرنسي «إنياس دال» في كتابه «الملوك الثلاثة».

مبالغ وإن رأى فيها البعض تعسفا ملكيا، فإن البعض الآخر لم يجدها كافية لجبر ضرر ملك اقتيد في الساعة الثالثة بعد الزوال دون أن يسمح له بتناول وجبة الغداء، بل حرم من كوب ماء يبل به ريقه على متن الطائرة. طائرة يبدو أنها اختيرت بعناية من نوع «د س 3» المفتقرة إلى جهاز التدفئة، وذات مقاعد خشبية صغيرة، معدة أصلا لجلوس المظليين قبل القفز.

يقول معاصرو تلك الفترة إن فرنسا كادت تكون منفى محمد بن يوسف الأبدي لو أن مسار المفاوضات سار على نهجه الأول، حيث كانت الأمور تميل نحو تسليم الوطنيين زمام المملكة والتخلي عن السلطان، الذي وإن كان الفرنسيون قد وقعوا معاهدة حماية ملكه، فإنهم كادوا في لحظات كثيرة يتخلون عن خدماته لو أن مصالحهم وجدت من يضمنها غيره.

لكن، وعلى خلاف سلفيه المنفيين، لم يتخل ابن يوسف عن مكانته السلطانية وهو في عز منفاه، بل واصل ممارسة بعض اختصاصاته الدينية أميرا للمؤمنين وهو يؤم الناس في صلاتهم في جزيرة مدغشقر، التي اعتقد الفرنسيون أنها أبعد ما يمكن الوصول إليه لعزل السلطان المشاغب. «ليس عندي ما أطرحه في المعركة، الحماية تحرم علي أن يكون لي جيش ولا أتوفر على شرطة. والمالية والسلط الحيوية للبلد ليست طوع يدي، كل ما بقي لي في هذه المواجهة هو شخصي وأنتم»، يقول محمد الخامس في مدغشقر مخاطبا أبناءه.

شارك برأيك