عيد بوعشرين – اليوم 24
توفيق بوعشرين
  • بوعشرين قربان الاستحواذ

  • المسيرة الخضراء

    ذكرى المسيرة الخضراء.. 43 عاما من الحرب والانتظار

  • الصحراء وقلوب المغاربة

منوعات

عيد بوعشرين

هذا الأربعاء، 22 غشت 2018، يصادف حلول عيد الأضحى بالمغرب، وهي فرصة لنقول لجميع المغاربة عيد مبارك سعيد. هذا اليوم، وبكل أسف، يصادف أيضا اكتمال ستة أشهر بالتمام والكمال، بعد ذلك المساء المشهود، حين استقبلت هذه الجريدة العشرات من عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، في زيارة انتهت باصطحاب مؤسس هذه الجريدة، الزميل توفيق بوعشرين، لكي لا يعود إلى مكتبه وجريدته منذ ذلك اليوم.

هذا الأربعاء سيكون توفيق بوعشرين وحيدا في زنزانته الباردة بسجن «عين برجة» الموروث عن الاستعمار الفرنسي بمدينة الدار البيضاء. ستة أشهر كاملة تمر في هذا اليوم، وزميلنا البريء حتى الآن بقوة القانون وصريح الدستور، يكابد البعد عن جريدته وافتتاحيته، وكتبه، وأسرته. مشهد مثقل بشحنة من المأساوية والمرارة، خاصة أن إدارة المؤسسة السجنية قررت منع الزيارات العائلية الأسبوعية عن بوعشرين، لأن يوم الزيارات صادف عطلة العيد.

قررنا في هذه الجريدة، منذ اليوم الأول لهذه المأساة، أن نعطي كل يوم دليلا جديدا على الفصل بين خطها التحريري وممارستها المهنة، وبين الزوابع والأعاصير التي تتقاذفها منذ تأسيسها قبل تسع سنوات. فقبل واقعة المداهمة الأمنية واعتقال مدير النشر من داخل مكتبه، ومتابعته في حال اعتقال بناء على معطيات وتبريرات قانونية شهد البعيد قبل القريب بهشاشتها؛ كانت «أخبار اليوم» هدفا لضربات واستهداف لا يخفيان على أحد.

وإذا كان البعض يجهد نفسه في إيجاد المسوغات «القانونية» لاعتقال صحافي ومثقف وشخصية تتمتع بكل ضمانات المثول أمام القضاء على مدى نصف عام كامل، هل يملك أي من هؤلاء أن يقدم مبررا قانونيا واحدا لإغلاق مقر هذه الجريدة مدة عام كامل، شهورا قليلة بعد تأسيسها؟ وهل بإمكان أحد إقناع نفسه، فبالأحرى الآخرين، بعدم وجود خيط رابط بين تلك الضربات المتوالية، بدءا بتشميع المقر، ومرورا بدعاوى أخنوش وبوسعيد، ووصولا إلى المداهمة والاعتقال؟

بما أن الأيام التي نصدر فيها هذا العدد الخاص من الجريدة تصادف أعيادا وطنية ودينية، ويخطو فيها المغرب بشجاعة نحو طي صفحة سوداء أخرى ترتبط بالمعتقلين السلفيين الذين استفادوا من العفو، دعونا نتساءل من جديد: كيف يمكن للمغرب، الذي لا نتصوره إلا متقدما ومنفتحا ومنصفا لأبنائه، أن يتحمل جرحا من هذا الحجم؟ هل الالتزام بهذا الفصل الراسخ بين الخط التحريري لهذه الجريدة وأدائها المهني وبين ملف مفتوح بين يدي القضاء يعني أن علينا أن نتعايش مع ظلم نقرأ عناوينه كل يوم؟

كلا، هناك داخل الزنزانة الباردة في السجن الفرنسي يقبع زميلنا محروما من حريته ومن لقاء أبنائه وزوجته وإخوته وأصدقائه وزملائه، بناء على شكاية من مجهول. نعم، هناك مشتكيات ومصرحات جرى إلحاقهن بالملف بعد المداهمة والاعتقال، لكن ما بين أيدينا من محاضر وملفات حتى الآن يقول إن أصل القضية شكاية من مجهول سجلت لدى النيابة العامة «المستقلة» حديثا، بضعة أيام بعد صدور حكم قضائي رفض مطالب الوزيرين أخنوش وبوسعيد بتغريم هذه الجريدة ما يربو عن المليار.

قد تتوالى الأيام والشهور وحتى السنوات، لكن تفاصيل لحظات المداهمة والاعتقال والتشهير عبر الإعلام العمومي، ثم استدعاء سيدات، بعضهن كتبن تدوينات التضامن مع الجريدة ومديرها ساعات قبل ذلك، لن تمحى من سجلات التاريخ. ويكفي أن نذكّر هنا بأن الأشرطة التي تقول محاضر الملف إنها «قادت» الشرطة القضائية إلى التعرف على هوية «المشتكيات»، بين عشية وضحاها، واستدعائهن، قضت أسابيع حتى الآن في مختبرات الدرك الملكي دون أن تنكشف حقائقها.

لست هنا بصدد الترافع القانوني، فهذا شأن المختصين، ولا محاولة المساس بحق أي مغربي أو مغربية في اللجوء إلى القضاء والتشكي، فهذا حق مكفول للجميع، لكن، لعقلاء هذه البلاد، ولمن تولوا الدفاع عن ملف هش مثل هذا الذي يتابع فيه توفيق بوعشرين اليوم.. لقضاة النيابة العامة ومنفذي السياسة الجنائية.. لمدبري مؤسسات الحكامة وحماية حقوق الإنسان، ووزير الدولة في حقوق الإنسان، مصطفى الرميد.. هذا الأخير الذي كان كاتب هذه السطور أول من أبلغه بواقعة اعتقال صديقه توفيق بوعشرين، وأشهد بدوره الإيجابي في الحؤول دون تحول الأمر إلى فضيحة أكبر، وإعدام هذه الجريدة التي باتت تلك الليلة منزوعة مفاتيح مقرها، وأتأسف في الوقت نفسه لوقوفه عند هذا الحد، كما لو كان المناضل الحقوقي والسياسي الذي سكنه قبل الوزارة يجهل كم أن الحقوق والحريات هشة ومهددة بالنسبة إلى كافة المواطنين، فبالأحرى إذا تعلق الأمر بصحافي مزعج له أكثر من خصم…

إلى كل هؤلاء أقول: كفى. توفيق بوعشرين ليس فوق المواطنين، ولا سلطة فوق القوانين، لكنه، مهما بلغ حنق البعض عليه، مغربي آمن بالمغرب، شاركنا مقالاته اليومية، التي قد يتفق معها البعض وقد يختلف معها البعض الآخر، لكنها منحتنا جميعا فرصة للحوار والنقاش حول مغرب أفضل. بوعشرين شارك، عبر جريدته وبحضوره الشخصي في جلسات مصطفى الرميد الخاصة بإصلاح منظومة العدالة. ربما كان صريحا وقاسيا مع القضاة، وقد تكون جريدته بالغت في الحلم بسياسة جنائية أكثر عدلا، وأقل زجا بالأبرياء خلف قضبان السجون عبر الاعتقال الاحتياطي والخيار العقابي، لكن من المؤلم، بل المأساوي، أن يكون هو نفسه من يقبع وحيدا في زنزانة باردة، مطالبا بالعلاج من ألم قاس في الكتف. لا أحد يمكنه أن يجادل في ضرورة إعمال القانون وإنزال العقاب في حال ثبت الجرم، لكننا، ومنذ ستة أشهر، أمام اعتقال غير مفهوم.

شارك برأيك