حوار مثير.. مغربي يحكي قصته الكاملة مع القذافي ونظام بنعلي – اليوم 24
القذافي
  • اليسار الاشتراكي الموحد

    الاشتراكي الموحد يدعو إلى وقف التصعيد في الريف والإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين

  • القرآن الكريم

    نصف مليون مغربي حفظوا القرآن داخل 14 ألف كُتّاب قرآني

  • بلافريج عمر / تصوير: سامي سهيل

    نواب الفدرالية يطالبون بخفض ميزانية القصر

مجتمع

حوار مثير.. مغربي يحكي قصته الكاملة مع القذافي ونظام بنعلي

قبل عام من الآن، وعشية احتفاء المغرب بذكرى 20 غشت سنة 2017، خصّصت وكالة المغرب العربي للأنباء إحدى قصاصاتها إعلان حفل توقيع كتاب «محمد السادس رجل المرحلة»، لمؤلفه عبد اللطيف راكز. هذا الأخير قدّمته القصاصات الرسمية حينها باعتباره صحافيا عمل بـ«المهجر»، وهو، في هذا الحوار المطول والمثير، يكشف خبايا وأسرار هذا «المهجر»، الذي لم يكن سوى خيمة الرئيس الليبي الراحل، معمّر القذافي.

راكز، الذي قطع خلال عشرين سنة، ابتداء من منتصف التسعينات، مسارا مليئا بالغرائب والأهوال، حين اقترب من الدائرة الضيقة لرجال ثقة العقيد الليبي المقتول عام 2011، وسط غبار طائرات حلف شمال الأطلسي، ومكث في سجون الرئيس التونسي المطاح به، زين العابدين بنعلي، بعدما كشفت المخابرات التونسية أمر مجيئه مبعوثا من القذافي لاختراق نظامها السياسي، وصولا إلى الجزائر التي عاش فيها بضعة أشهر بعد هروبه من السجن التونسي تحت غطاء ثورة الياسمين، حاملا هوية مزورة.

تجسس عبد اللطيف راكز، حسب روايته، على نظام بنعلي، وسجنه هذا الأخير تسع سنوات تحت الأرض. قام في إطار مهمة رسمية كلف بها من القذافي بإنجاز تقارير استخباراتية عن دكتاتور قرطاج السابق، كان يبعثها إلى قائد الثورة. تسلق مربع الحكم حتى نجح في نسج علاقات ملتبسة في قلب قصر قرطاج، لينجح في اختراق عائلة الطرابلسي، ويشاركها تجارة الذهب وتهريب السيارات.

يقول إنه امتلك فيلات فخمة، لكنه، بعد ثورة 17 فبراير 2011، سيخرج من سجن صفاقص ليجد نفسه ممنوعا من استعمال أرصدته المالية التي اكتشف أنها جمدت في تونس وقبرص وليبيا.

عبد اللطيف راكز، الذي نجح في اختراق ثورة الفاتح ليكلف بمهام استخباراتية دقيقة، يقول إنه اشتغل سابقا لصالح المخابرات المغربية، قبل أن تلاحقه هذه الأخيرة ويدخل السجن بتهمة «التزوير وإصدار شيكات دون رصيد»، بعد عودته من رحلة عبور طويل للصحراء من ليبيا إلى الجزائر. أخلي سبيله بعدما قضى محكوميته، وبعث برسالة اعتذار إلى الملك محمد السادس يعترف فيها بأخطائه ضد نظام الملك الراحل الحسن الثاني، وتوّج كل ذلك بكتابه الذي جرى الاحتفاء به رسميا.

«لم أكن أجد صعوبة في مقابلة القذافي، لأنني فعلا كنت أحبه، ولا أخيفكم سرا إن قلت إنني مازلت أحبه، لأنني أرى فيه شخصية متميزة بتهورها واستهتارها وحماقاتها وأفكارها النضالية والصمودية»، يقول راكز ضمن هذا الحوار، مضيفا أنه، بعيد التحاقه بليبيا منتصف التسعينات، «تعرضت زوجتي لإغراءات جنسية، وطلقتها، لأنها لم تعد ملكا لي، بل أصبحت ملكا لجسدها، وأصبح همها الوحيد هو جمع المال».

يقول راكز إنه رافق معمر القذافي حين صلى صلاته الشهيرة بالأفارقة في النيجر، «ورافقناه في بعض الزيارات إلى الكونغو، وكنا، قبل أن يذهب إلي أي مكان، نسبقه إلى هناك، لنؤمن زيارته، ونجمع المعلومات عن المكان الذي سينزل به. كانت طبيعة مهامنا أمنية واستشارية». 

عبد اللطيف راكز ..ظابط مخابرات بالحرس الثوري الأخضر

 من هو عبد اللطيف راكز؟

عبد اللطيف راكز من أسرة تعرضت أثناء سنوات الرصاص لمحنة الاعتقال السياسي، بسبب أفكارها المعارضة للنظام الملكي في سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، حيث كنا نرى أن النظام يمثل قمة الديكتاتورية والاستبداد، وأن المغرب لا يمكن أن تنتعش فيه حرية الرأي أو حرية التعبير، وهي التجاوزات التي اعترف بها النظام الملكي الحالي فيما بعد، حيث اعتبر أن ما وقع في سنوات الرصاص يجب أن يُتجاوز وتفتح صفحة مع المعارضين.

 ما هو مسارك السياسي والهيئة التي كنت تنتمي إليها؟

كنت أؤمن بالفكر القومي العروبي، وكانت أسرتي تحمل أفكارا ماركسية ولينينية، لذلك تعرضنا للمضايقات الأمنية وللاعتقال السياسي آنذاك. تجربتي كانت مختلفة عن تجارب الآخرين، فيها نوع من الارتزاق، لأنني انطلقت في البداية مثقفا، ثم انتقلت إلى مسار آخر ووجدت نفسي أشتغل مع جهاز أمني، قبل أن أهاجر خارج المغرب بعدما ضاقت بي السبل، واشتدت ضائقتي المالية وتفاقمت، فقررت الخروج من البلاد، واتصلت حينها بالقنصلية الليبية بالرباط.

ما هو الجهاز الأمني الذي كنت تشتغل معه؟

كنت أشتغل مع جهاز للمخابرات، وتعاونت مع العديد من الأجهزة الأخرى، كمصالح الشؤون العامة، وقسم الاستعلامات بمناطق الجنوب.

 من هم المسؤولون الأمنيون المباشرون الذين اشتغلت تحت إمرتهم؟

كنت أشتغل مع مجموعة من ضباط الأمن بشكل مباشر أتحفظ على ذكر أسمائهم، نظرا إلى أنني تعهدت ألا أفتح هذه الصفحة من تاريخي، بعدها قدمت استقالتي من المهام الأمنية والاستخباراتية التي أوكلت إلي.

 كيف تحولت من سياسي معارض إلى متعاون مع المخابرات؟

كانت أوضاعي الأسرية سيئة جدا، وكانت مجموعة من أجهزة الأمن تراقب الأسرة، لم نكن نستطيع الحصول حتى على عقد الازدياد من المقاطعة، وكان أفراد الأسرة يعتبرون مشبوهين لأنهم تعرضوا للاعتقال السياسي، ولم يكن الشيخ ولا المقدم أو القائد يتعاونون معنا. كنا تعرض لعراقيل كثيرة ونحن نستكمل دراستنا.

أين درست؟

درست في ثانوية محمد الخامس بمراكش، ثم بعد ذلك انتقلت إلى ثانوية ابن عباد، حصلت فيها على شهادة الباكالوريا، ثم بعدها انتقلت إلى جامعة القاضي عياض، حيث حصلت على الإجازة سنة 1990، بعدها تابعت دراستي الجامعية في كلية الفنون والإعلام وحصلت فيها على شهادة الماجستير في علم الأخبار بطرابلس.

كيف توطدت علاقتك بجهاز الأمن؟ وما هي المدة التي قضيتها متعاونا مع المخابرات؟

في سنة 1983 اشتغلت مع المخابرات مدة سنتين، وعدوني برفع الحصار المفروض على أسرتي، وترتيب وضعي المادي، والحصول على وظيفة قارة بالمغرب، وتحسين علاقتنا بالسلطة والدولة.

ما هي المهمة الأمنية التي كلفت بها؟

اجتزت مباراة لرجال الشرطة، بعدها أقحمت مباشرة في جهاز الاستخبارات، كنت أقوم بجمع مجموعة من المعلومات عن أشخاص معينين يحددون لنا أسماءهم، فنراقبهم ونتتبعهم ونعطي معلومات عنهم للجهاز السري.

هل كنت تراقب بعض القيادات السياسية؟

لا، هذا خط أحمر بالنسبة إلي، لم أكن أرغب في أن أصطدم بهم. كنت أكلَّف بمهام استخباراتية بعيدة عن تتبع قيادات سياسية، كلفت بمراقبة بعض النقابات وتتبع مسار بعض المظاهرات في الشارع، وتتبع مسار عناصر إسلامية متشددة، فنجمع عنهم المعلومات.

لكن عملي الأمني كان عبارة عن عبث تحولت فيه من إنسان مثقف ومناضل إلى سكير وعربيد. علمت أنني سأعاني في الدوامة التي دخلتها، حيث إنها كانت مهمة أمنية جعلتني أعيش ازدواجية الشخصية، فطلبت من رئيسي المباشر إعفائي من المهام الموكلة إلي، فقبل استقالتي لأنه تعاطف معي وعلم أنني أصبحت مقصرا في أداء المهام المنوطة بي.

أين اتجهت بعد استقالتك من المخابرات؟

لقد انتقلت للاشتغال بقطاع الإعلام، واشتغلت مع جريدة «أخبار السوق» الشعبية، ثم انتقلت إلى جريدة «الأمل» ثم جريدة «الحقيقة». وجدت ضالتي في الكتابة، فذلك المثقف الذي كان يحمل أفكارا ثم تجاوزها، وأثار غضب العائلة تجاهه، ها هو يتحول في لحظة أخرى إلى إنسان آخر.

كيف تلقت أسرتك خبر التحاقك بجهاز المخابرات؟

كانت أسرتي مناضلة، وكان أخي، الأستاذ أحمد راكز، معتقلا سياسيا في سجن القنيطرة، لم يكن راضيا عن اشتغالي في الأمن، فقد كان يريدني أن أكون دكتورا مثقفا، لم يكن يريدني أن أكون عميلا للمخابرات أو رجل شرطة. عندما علم باجتيازي مباراة الشرطة، استدعاني في السجن، وقال لي: «عار عليك أن تضيع تاريخك، فأنت قلم يمكن أن يكتب، ويجب ألا تشتغل في مخافر الأمن والتعذيب»، فبكيت لأنني تخليت عن أشياء جميلة بداخلي. عندما كنت ألج بيت العائلة كنت أحس بالإحراج من معاملتهم لأنهم يظنون أنني «قلبت الفيستة»، ولم أعد مناضلا صالحا كما يظنون. ولهم أقول اليوم إن لهم الفضل في إعادتي إلى جادة الصواب، فلولاهم ما كنت مثقفا ولا صحافيا.

هل انتميت إلى هيئة سياسية مغربية؟

أنا، لا أؤمن بالهيئات السياسية، كنت أؤمن بالأفكار اليسارية اللينينية، وكنت متعاطفا مع مجموعة «23 مارس» ومنظمة «إلى الأمام»، لم أكن عضوا فيها، لكنني كنت متعاطفا معها، كما كنت أنشط في مجموعة من المنتديات الفكرية والثقافية والحقوقية ولكنني لم أنتمِ إلى أي حزب سياسي مطلقا. كنت أؤمن دائما بأن الحزب الحاكم بالمغرب هو حزب الملك، وأن السلطة المهيمنة هي سلطة المخزن، ولم يكن هناك أي أفق للأحزاب، وهو الأمر الذي يستمر إلى حد الآن. ومن هذا المنبر أقول إن الأحزاب السياسية فشلت كلها في أن تكون إلى جانب الشعب، وإنها قد خانته. حكومتا 1958 و1983، كانتا بداية النبض الحي للمغرب، لكن ما أتى بعدهما لم يكن كذلك، فحكومات الاستقلاليين والاشتراكيين، والإسلامويين الآن، كلها فشلت في تحقيق أماني الشعب.

هل لك أن تكشف لنا فصولا عن التعذيب الذي كان يمارس داخل مخافر الشرطة حينها؟ وهل مارست أنت التعذيب على أحد؟

ما يمكن أن أؤكده لك هو أن التعذيب صفحة سيئة جدا من تاريخ المغرب. لا يمكنني أن أمارس التعذيب، ولم أدخل هذه المتاهات بتاتا لأنهم كانوا يدركون أن الجانب الحي والنضالي في داخلي لم يمت، وأن عملي معهم كان طمعا في المال والجاه، ورغبة مني في إبعاد أسرتي عن المضايقات التي تتعرض لها.

ما هي الأسباب التي دفعتك إلى الاستقالة من المخابرات؟

الشيء الذي دفعني إلى الاستقالة من المخابرات، هو اكتشافي أشياء مريبة لم أكن أعلم بها، جعلتني أدرك أنني تخليت عن قناعاتي الفكرية والسياسية التي كنت أؤمن بها.

فقد اكتشفت أن وعودهم لي كانت كاذبة ولم تكن صادقة، وأنه جرى استعمالي مطية للوصول إلى مجموعة من المعلومات وتشويه سمعتي وسمعة أسرتي، وفعلا نجحوا في ذلك فترة معينة.

بعد استقالتك من المخابرات كيف غادرت المملكة؟

بعد استقالتي من المخابرات لاحقتني تهديدات من العناصر التي كنت أتعامل معها، خصوصا بعدما ساءت أخلاقي وتوترت علاقتي بأسرتي. بدأت أستدين الكثير من المال، وأثقلت الديون كاهلي، ولم أجد طريقة لإعادتها إلى أصحابها.

كما أن هناك مجموعة من الأمنيين كانوا يهددونني، منهم أحد الضباط الذي قال لي: «يجب أن ترحل لأن ديونك أصبحت كثيرة، يجب أن تغيب عن الأنظار».

آنذاك بدأت أفكر عن طريقة لمغادرة المغرب، فليس لدي مكان أذهب إليه، لكن كانت لدي أفكار أؤمن بها وكنت أريد إخراجها إلى حيز الواقع.

كنت أستمع إلى إذاعة صوت الوطن العربي كل ليلة، كانت تغريني باعتبارها إذاعة للوحدويين والقوميين العرب، وكان معمر القذافي يبدو لي نموذجا مختلفا عن الزعماء السياسيين الآخرين، وعن جميع الأنظمة السياسية الحاكمة والعميلة آنذاك، ساعتها قررت أن أذهب إليه، فتوجهت إلى سفارة ليبيا بالمغرب، فقابلت الملحق الإعلامي، وكتبت رسالة إلى معمر القذافي، أخبرته فيها بأنني أحد المضطهدين الذين يعانون في المغرب، وأنني أريد أن أعيش نسيم الحرية، وأن أحل ضيفا هناك وألقى معاملة الثوار. كنت أدرك أن علاقة نظام الحسن الثاني بنظام معمر القذافي سيئة ومتوترة، لأن هذا الأخير يرغب في تغيير الملكيات، وأنه يرى المغرب حليفا استراتيجيا لأمريكا، لذلك قام القذافي بمجموعة من المحاولات من أجل تسهيل الانقلاب ضد الحسن الثاني، وشجع الثوار للكتابة ضد الملك الراحل الحسن الثاني.

ألم يكن غريبا أن يكون اتصالك بالسفارة الليبية سهلا، وأنت كنت مطاردا من المخابرات كما تقول؟

نعم، وعلى الرغم من ذلك، في سنة 1995، دخلت إلى السفارة الليبية بالرباط وقدمت مطلبي، عندما اطلعوا على مضمونه، استدعاني الملحق الإعلامي عبر الهاتف، فقابلته وسألني عن أفكاري وانتماءاتي، فأجبته بأنني من الوحدويين القوميين الذين يؤمنون بأن رجل المرحلة هو معمر القذافي، وبأنه أمين القومية العربية، كما قال الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وبأنه يتزعم دولة من دول الطوق المعارضة للامبريالية، فلمس المسؤول الليبي صراحة في حديثي، ثم استدعاني بعد ذلك ليخبرني بأن طلبي قبل، وأنه يمكن أن أحل بالجماهيرية الليبية ضيفا مكرما.

كيف دخلت التراب الليبي؟ وكيف استقبلك نظام القذافي؟

غادرت المغرب رفقة زوجتي وأنا أحس بغصة الألم، وبحوزتي جواز سفر مغربي. كانت لدي أوراق ثبوتية صحافية، لم يكن في جيبنا إلا درهم واحد بعدما اضطررت إلى بيع أثاث منزلي كله من أجل الحصول على تذاكر السفر، ثم ركبنا الباخرة. لم يكن السفر على نفقة الليبيين، إلا أنني اجتزت الحدود بعدما قلت لهم إن لدي دعوة من العقيد محمد المجذوب الليبي، المكلف بمكتب الاتصال في اللجان الثورية آنذاك، كان ضابطا سابقا بالجيش الليبي، وهو من قبيلة القذاذفة، ابن عم القذافي. أسندت إليه العديد من المهام العسكرية والأمنية في ليبيا، وكان له تأثير في الحياة العسكرية والسياسية، حيث كان رئيس حركة اللجان الثورية بعد الرائد عبد السلام جلود، الرجل الثاني في النظام الليبي، قبل أن يتوفى سنة 2007 في ألمانيا.

قبل أن أدخل إلى ليبيا، حاولت أن أبيع سترة جلدية وآلة تصوير تعود لأحد المغاربة الذي منحني مبلغا يسيرا من المال أقتات به في ليبيا. لكن، للأسف الشديد، ما كدت أدخل ليبيا حتى سرقت مني أمتعتي في الفندق الصغير الذي حللت فيه أنا وزوجتي.

بعدها بدأت محنتنا في ليبيا للبحث عن الاستقرار، لم أكن أحمل معي إلا رسالة شفوية من الملحق الإعلامي بالسفارة الليبية بالمغرب، لكي أبحث عن العقيد محمد المجذوب بمكتب اتصال اللجان الثورية بطرابلس.

في صباح اليوم الموالي، عندما اكتشفت أن أموالي سرقت، جاءت مجموعة البحث الجنائي فسجلت محضرا بالسرقة، فسقطت زوجتي بنوبة صرع دخلت على إثرها إلى المستشفى، ولم تكن عندي أموال لمعالجتها وأداء مصاريف الاستشفاء الخاصة بها، فوضعت زواج سفري رهينة عند إدارة المستشفى إلى حين الانتهاء من العلاج. وبعدما اطمأننت على زوجتي في المستشفى، تركتها وأنا في حيرة من أمري، كان همي الوحيد هو ملاقاة محمد المجذوب، فركبت سيارة الأجرة وأنا لا أتوفر على مصاريفها.

من محاسن الصدف، كان سائق الطاكسي ضابطا من ضباط المخابرات الليبية، فكما كان متعارفا عليه عندهم، فالذين كانوا يقودون السيارات الخاصة، كانوا ضباطا ليبيين يشتغلون سائقين بعد انتهائهم من المياومة في الساعة الثانية بعد الظهر. عندما التقاني أغراه هذا الصيد الثمين الذي أمامه، فحاول أن يتتبع خطاي، ثم سألني: «هل عندك زوجة؟»، فأجبته: «إنها في المستشفى»، وحكيت له قصتي، عندما هممت بالنزول من الطاكسي، أخبرته بأنني أبحث عن العقيد محمد المجذوب وأحمل إليه رسالة شفوية من القنصل الليبي بالمغرب. وللإشارة، كان كل الليبيين يخافون هذا الاسم لأنه الرجل القوي بعد معمر القذافي.

قادني هذا السائق إلى مقر مكتب اتصال اللجان الثورية، الكائن في طريق الشط في ليبيا، وقدمت لهم نسخة من جواز سفري، فطلبوا مني الجواز الأصلي، فأخبرتهم بأنه ليس بحوزتي لأنه رهينة في المستشفى الذي كانت زوجتي ترقد به، فأخبروني بأن العقيد يوجد في مهمة خارج الجماهيرية، وأنهم سيعطونه عنواني عندما يعود.

لم أجد مكانا أذهب إليه بسبب ضائقتي المالية، فأخبرني السائق بأنه سوف يذهب بي إلى بيوت الشباب في ليبيا، وعندما ذهبت إلى هناك، سألوني عن جواز سفري، فأخبرتهم بأنه يوجد في المستشفى الذي تعالج فيه زوجتي. وللإشارة، فإنه حتى مدير بيوت الشباب هو ضابط في الأمن الخارجي، وكلهم اعتبروني صيدا ثمينا يجب أن يعرفوا من أنا. هل أنا جاسوس مغربي، أم إنني فعلا أعاني وضعا صعبا وأحتاج إلى المساعدة؟ لذلك، بدؤوا ينسجون معي صداقات على حذر، فكانوا يقدمون لي مساعدات غذائية ويؤمنون لي مكان الإقامة، ومقابل ذلك كانوا يمطرونني بأسئلة كثيرة، منها: أين نشأت؟ وما هو مساري الدراسي؟ كانوا يرغبون في تكوين علاقة صداقة معي.

بعدما شفيت زوجتي، ذهبت أنا وسائق الطاكسي الذي كان ضابطا في المخابرات الليبية، فدفع لي مستحقات المستشفى، واسترجعت جواز سفري، ثم بعد ذلك ذهبت أنا وزوجتي إلى بيوت الشباب، وأصبحت زوجتي تشتغل منظفة في تلك البيوت من أجل الحصول على لقمة عيشنا، كما بدأت أبحث عن عمل. كانت لدي بذلتان، وكان مطر الشتاء يبلل حذائي، ولا أجد ما أقتات به، وحين أعود ليلا أكون متعبا فأنام. لم أتمكن من الحصول على عمل، فمن الصعب أن تجد عملا في ليبيا وأنت مواطن مغربي، فالمغاربة كانوا متهمين بالفساد الجنسي أو القوادة أو التجسس لفائدة النظام المغربي آنذاك، لذلك كان من الصعب أن تجد عملا مشرفا هناك.

كيف حصلت على عمل في ليبيا؟

اتجهت إلى عمارات الصحافة لكي أبحث عن عمل، وحاولت مقابلة مسؤول عمارة الصحافة، التي كانت تتكون من أربعة طوابق تضم جريدة الجماهيرية والشمس، والفجر الجديد، وجريدة الفاتح صوت الشعب المسلح، التي اشتغلت بها محررا، وكانت تحت وصاية إدارة الاستخبارات الليبية. كتبت مقالات وصل صداها إلى العقيد معمر القذافي وإلى المخابرات، لأن كل الذين كانوا يحيطون بي كانوا ضباطا للمخابرات بزي مدني لا أعرفهم، كان يراقبون تحركاتي. لم أحصل على العمل بسهولة، في سنة 1997، بدأت أبحث عن العمل، وذهبت إلى شارع الجماهيرية في طرابلس، فقدمت طلبي لكي أشتغل محررا أو متعاونا، فقابلت رئيس تحرير صحيفة «الشمس»، الدكتور بلقاسم صميدة، وهي الجريدة التي أسسها معمر القذافي، فأخبرته بأنني من المقهورين الذين قدموا إلى ليبيا، وأنني أريد أن أعيش بكرامة، وأخبرته بأنني عانيت في بلدي ولم أحصل فيه على شيء، وأنني أتيت لاجئا إلى ليبيا، فأخذ مني شواهدي العلمية وما يثبت خبرتي الصحافية، وأخبرني بأنني سأشتغل متعاونا مع الجريدة، فمنحوني مكتبا، ثم بدأت أكتب في صفحة الشؤون القومية والعروبية.

ذاع صيتي لأنني كنت من الذين يعتزون بخيارات معمر القذافي وخطاباته النارية ورفضه الامبريالية، كنت من أشد المدافعين عنه، وكتبت مقالات جيدة أثارت إعجابه وحظيت باهتمام مكاتب الاتصال باللجان الثورية والصحف التابعة له، ساعتها، وبالموازاة مع عملي الصحافي، حاولت إتمام دراستي الجامعية بكلية الفنون والإعلام بمساعدة الدكتور أبو القاسم صميدة.

في الفترة التي كنت أقطن فيها أنا وزوجتي بدور الشباب، تعرفت إلى شخص اسمه «السيفاوي»، كان يملك دكانا لبيع المواد الغذائية بالقرب من دور الشباب بمنطقة قرقارش بطرابلس القريبة من مقر إقامتي، كنت أستدين منه ما أقتات منه، وكان يعرف أنني صحافي مغربي أعيش المعاناة، كنت أصلي معه في المسجد، فكان يقول لي: «إذا التقيت العقيد فسترتاح، كن حذرا، إنهم سيحاولون أن يتحرشوا بزوجتك، وسيأخذون منك كل شيء ثمين، فليس من السهل أن تعايش الليبيين، وهذا ما أثار غضب العقيد معمر القذافي عليهم سنين طويلة، وهذا سبب من الأسباب التي أثارت الضغينة ضده». كان «السيفاوي» المواطن الليبي الطاعن في السن يحب المغاربة، وكان ينتمي إلى منطقة الجنوب الغربي في ليبيا، وهو الشخص الوحيد الذي تعاطف معي، وكان يمدني بالأكل.

بعد توالي الأيام، بدأت زوجتي تتعرض لتحرشات جنسية، كما تعرضت لإغراءات من طرف مدير دار الشباب الذي كان يتحرش بها، لأن صورة المغربيات مشوهة عندهم، فهم لا يرون فيهن إلا اللواتي يشتغلن في ميدان السويحلي الذي يقع وسط مدينة طرابلس، واللواتي يتاجر بعضهن بأجسادهن، كانت سمعتهن سيئة جدا، وكانت شرطة الآداب تطاردهن. أذكر أن العقيد عبد العزيز الرحموني، الضابط في شرطة الآداب، دخل يوما عند العقيد، وكنت حاضرا، فقال: «لقد أتعبتنا المغربيات، ويجب أن نجد لهن عملا»، فأجابه القذافي: «لو وجدن خيرا في بلادهن ما أتين إلينا.. اتركوهن». فسألت العقيد: «لماذا تقول هذا الكلام؟»: فقال لي: «إننا نقوم بتهجير المئات من الفتيات ونعيدهن إلى المغرب، ثم يعدن من جديد إلى ليبيا.

هذا مقتطف من حديث لمعمر القذافي حينما حاورته عندما كنت مسؤولا عن التظاهرة العالمية للطفولة اليتيمة، والتي حضرتها 185 دولة، وأنا كنت رئيس التحرير والمشرف على كل منشورات التحرير المتعلقة بالمؤتمر، فقابلت العقيد على انفراد لمدة ساعة إلا ربع، لم أكن أجد صعوبة في مقابلته لأنني فعلا كنت أحبه، ولا أخيفكم سرا أنني مازلت أحبه، لأنني أرى فيه شخصية متميزة بتهورها واستهتارها وحماقاتها وأفكارها النضالية والصمودية.

هل هذا هو اللقاء الوحيد الذي جمعك بالعقيد معمر القذافي؟

لم يكن اللقاء الوحيد، فقد التقيته عدة مرات، وكنت ألتقيه عن طريق العقيد معمر المجذوب، أو العقيد الحاج مصطفى الخروبي الذي كان مكلفا بالقطاع العسكري آنذاك.

 كيف دخلت التراب التونسي؟ وما هي حكاية اعتقالك؟

دخلت التراب التونسي وبحوزتي مبلغ مالي بقيمة 200 ألف دولار، وكلها تسلمتها من إدارة جهاز الأمن الخارجي، وكان بحوزتي أكثر من عشرة كيلوغرامات من الذهب. دخلت عبر الحدود التونسية الليبية، كشفت المال والذهب لجهاز الجمارك حتى لا تعتبر أموالا مختلسة، ووضعتها في أحد الأبناك في مدينة صفاقص، ثم بعد ذلك بدأت أفكر في إنشاء شركة، فكنت أقوم بهذا العمل، وفي الوقت نفسه كنت أتواصل عبر جهاز هاتفي خاص مع إدارة الاستخبارات الليبية التي كانت تتبعني، استحدثت شركة مختصة في الهجرة وبيع السيارات، وتعرفت إلى أشخاص أثرياء، أوصلوني إلى عائلة الطرابلسي، لأن كل شيء فيه المال كانت عائلة الطرابلسي تحبه، فكنت شخصا متميزا وسخيا وبشوشا معهم، ولم يكونوا يعلمون أنني وفي لمعمر القذافي، ما كانوا يعرفونه عني هو أنني رجل أعمال مغربي، ولَم يعرفوا أنني ضابط في الحرس الثوري الأخضر ملحق بجهاز الأمن الخارجي، وهو جهاز تابع للمخابرات الليبية. كنت أعمل تحت إمرة موسى كوسا آنذاك. كنت أتجنب أن يكتشف أي أحد أنني أشتغل لفائدة النظام الليبي.

اشتغلت مع التونسيين، وأوصلوني إلى مربع الحكم، فجالست الحاج الطرابلسي، شقيق ليلى الطرابلسي، والذي كان مكلفا بشركة الإقامات والحج بقرطاج، ثم بعد ذلك التقيت سليم شيبوب، وتعرفت إلى بعض ضباط الأمن الخارجي التونسي، فكنت ألتقيهم، ونتبادل أطراف الحديث، كانوا يعرفون أنني مثقف لا غير. لم يكن ولائي لتونس بل لليبيا، لأن نظامها كان يكره جميع الأنظمة الاستبدادية.

من خلال هذه العلاقات الملتبسة والقوية استطعت أن أدخل إلى مشارف قصر قرطاج مرات عديدة، سواء في ضيافة سليم شيبوب أو الحاج الطرابلسي، وكانت لدي مجموعة من المعلومات عن ليلى وزوجها وعن علاقاتهما، لكن بعد مدة حدث خلاف بيني وبين الحاج الطرابلسي، فرفعت صوتي أمامه وشتمته، لذلك قامت أجهزة الأمن باعتقالي، لم أكن أدرك أن الأجهزة كانت تطاردني قبل اعتقالي وتبحث عني. وجدت أن العديد من مكالماتي كانت مراقبة، ومررت بجهاز البوليس السياسي، وأشبعوني ضربا، بطريقة لم أعهدها من قبل، ضربوني ضربا مبرحا من أجل انتزاع اعترافات مني ضد ليبيا، لكن لم يكن مسموحا لي إلا بالتصريح بشيئين اثنين، أنني مسؤول عن عملية الاختراق الأمني في تونس من طرف الليبيين، وأنني المغربي المكلف بهذه العملية، وأن الليبيين ليست لهم أي علاقة بذلك، وأن أصل العملية هي إدخال بعض الأسلحة إلى منطقة كفصة قبل فترة الثورة، إبان حكم الرئيس بنعلي، وهذا يؤكد أن معمر القذافي كان يخطط مرارا وتكرارا لقلب نظام بنعلي، وكان نظام بنعلي لا يرى في نظام القذافي غير الأموال التي كان يستفيد منها.

بعد التحقيق معي من طرف البوليس السياسي، وضعوني رهن إشارة الشرطة الاقتصادية التي صادرت أموالي وشركاتي، وأدخلوني بعدها إلى السجن، فبدؤوا ينقلونني من سجن صفاقص إلى سجن الناظور لفترة طويلة. في تلك الفترة أصبت بضيق التنفس الحاد وبالتهاب الكبد الفيروسي، وأصبت بمرض القلب والسكري. وعانيت كثيرا داخل السجن، إلى إن اندلعت الثورة، التي أخرجتنا من السجن، وهي التي فجرت السجن الذي كنت فيه، وهرب كل السجناء.

 ما هي خفايا الصراع بين بنعلي والقذافي؟

بنعلي كان شخصا أمنيا وانتهازيا، ولَم يكن العقيد يتقبله، فالقذافي صاحب تكوين ثوري جارف، لا يحب إلا القياديين والسياسيين، وكان ينافق بنعلي لأنه كان محتاجا إليه في فترة الحصار الاقتصادي الذي فرض على ليبيا، لأنه ليست هناك منطقة برية محيطة بليبيا تمر منها السلع إلا عن طريق تونس، لذلك أغدق عليه الأموال الطائلة، مقابل هذا كان القذافي يستغله لربط الصِّلة مع الأوروبيين ومع الأمريكان، وقضية لوكربي كان لبنعلي دور كبير في حلها، حيث إنه هو الذي توسط في عملية الضمانات المالية والمبالغ الباهظة التي منحها معمر القذافي تعويضات لأسر الأمريكيين ضحايا سقوط طائرة لوكربي، ولأسر الفرنسيين كذلك، لأن المتهم الرئيس في القضية لم يكن ليبيا فقط، بل هناك تورط لضباط مخابرات لم يُشر إليهم، وهم كانوا ضباطا من مالطا، فعملية لوكربي تمت ما بين مالطا وفرنسا وأمريكا، وكان هناك تورط لمسؤولين ليبيين، وجرى تعويض الأسر بمبالغ كبيرة جدا، ولَم يكن الوسطاء الذين توسطوا في هذه العملية غير بنعلي وساركوزي، ولَم تتوثق علاقة القذافي بساركوزي إلا عن طريق بنعلي، لأن هذا الأخير كان مقربا من الرئيس الفرنسي السابق، وكانت أجهزة الاستخبارات الفرنسية تدعم الرئيس التونسي المخلوع بشكل مباشر، لأن الرجل هو الذي كان يؤمِّن استثماراتهم.

كان القذافي يعلم أن بنعلي كان يقدم للفرنسيين والأمريكيين معلومات عنه، وكان يعلم بوجود عناصر استخباراتية مدسوسة في ليبيا تتجسس لفائدة بنعلي في قصر العزيزية، وهذا ما دفع العقيد إلى أن يوثق علاقته بزوجة بنعلي، لأنها كانت لها سلطة على بنعلي، وكانت لها القدرة على تغيير أفكار الرئيس التونسي في أي لحظة. بنعلي كان يخيف شعبه لكنه كان لا يخيف زوجته التي كان يهابها، وكانت أقوى منه، والذي كان سير شؤون تونس في الفترة الأخيرة قبل سقوط نظام بنعلي هي ليلى، وليس الرئيس التونسي، لذلك عندما بنى العقيد المدن حول منطقة رأس جدير وحولها إلى منطقة تجارية حرة، فيها القوة الاقتصادية الليبية الكبيرة، كان الهدف من ذلك هو إغداق المال على التونسيين واستقطابهم، لذلك أبناء منطقة راس جدير يحبون الليبيين أكثر من التونسيين، ويعتبرون الحدود الليبية التونسية منطقة ليبية وليست تونسية. لم يكن بنعلي صديقا للقذافي، بل فرضته المرحلة السياسية.

ما هي المهام الأمنية التي كلفت بها غير مهمة التجسس على نظام بنعلي؟

أذكر أننا ذهبنا في إحدى المرات في مهمة استخباراتية إلى ألمانيا، لمراقبة شخص معارض للنظام الليبي، وجمعنا معطيات عنه، كان عقيدا سابقا في الجيش الليبي، اسمه رمضان بيك، وزودنا العقيد بمعلومات عنه، ثم توسطنا له في مصالحة معه لاحقا.

وإلى جانب هذا، كان القذافي يشك في وجود عناصر استخباراتية في السفارات الأجنبية في ليبيا تتعامل مع أمريكا، فكنا نتتبع هذه العناصر ونطاردها ونراقبها عن بعد لنكتشف هل هي متورطة مع أطراف خارجية، ورافقنا القذافي في زيارته لكانو ولميامي، وحين صلى بالأفارقة في النيجر، ورافقناه في بعض الزيارات إلى الكونغو، وكنا قبل أن يذهب إلى أي مكان، تسبقه إليه، لنؤمن زيارته ونجمع المعلومات عن المكان الذي سينزل به. كانت طبيعة مهامنا أمنية واستشارية.

هل كنت تحرر تقارير استخباراتية في تونس؟

نعم كنت أحرر تقارير وأبعث بمراسلات إلى العقيد معمر القذافي، عن طريق جهات دبلوماسية ليبية، كنّا نذهب لزيارة السفارة ثم نضع تلك التقارير في عهدة المستشار والملحق الإعلامي، الذي يدفعها إلى الجهات المختصة أمنيا.

كم عدد لقاءاتك مع القذافي؟

التقيته أكثر من ثماني مرات تقريبا، منها لقاءات تمحورت حول الجانب الإعلامي، ومنها لقاءات خصت مجال المحاضرات والتعبئة السياسية، ومنها لقاءات جرت على هامش مأدبات كانت تقام أحيانا في منتدى الحوار الديمقراطي في طرابلس، ثم لقاءات أجريتها معه على هامش التظاهرة العالمية للطفولة اليتيمة، التي كنت مسؤولا عنها، أما اللقاءات ذات البعد الاستخباراتي والأمني فكانت قليلة، لأن المهام الاستخباراتية التي قمت بها داخل ليبيا لم تتجاوز ست مهام، وكان تعاملي معهم من باب إبراز الوفاء للنظام الليبي حتى لا يحتاط مني لاحقا.

ماذا وقع بعد خروجك من السجن في تونس؟

بعد خروجنا من السجن هاربين، قدمت شكاية إلى الرئيس التونسي منصف المرزوقي، أطلب منه أن ينصفني مما تعرضت له من طرف النظام التونسي لبنعلي، ذهبت إلى وكيل الجمهورية التونسية، وأشعرتهم بوضعيتي المرضية، كنت أريد تعويضا، فقال: «لي اذهب إلى بلدك»، ولم يكن لدي مال حتى أعود إلى المغرب، فاستعنت بأحد أعضاء حركة النهضة الذي كان مسجونا معي في سجن صفاقص، هو الذي جمع لي مالا من المساجد، وهو المال الذي دفعته نقابل عبور الحدود الجزائرية التونسية، لأن أوراقي الثبوتية كلها أحرقت في الثورة، وخرجت من تونس دون بطاقة تعريف ولا جواز سفر، ودخلت الجزائر بطريقة غير قانونية، فالتقيت بعض السجناء الذين كانوا مقيمين معي بالسجن، هم من استضافوني بالعاصمة الجزائر، فأقمت معهم مدة أربعة أشهر، إلى أن حصلت بفضلهم على أوراق ثبوتية جزائرية بدأت أتجول بها داخل التراب الجزائري، وبفضل هذه الأوراق استطعت الالتحاق بمركز الدراسات الاستراتيجية، وهناك بدأت أحرر مقالات صحافية، وأقدم استشارات إعلامية لفائدة صحيفة الخبر الجزائرية، قضيت حوالي تسعة أشهر، بعدها قررت الرحيل إلى المغرب. كنت أتحرك داخل التراب الجزائري باعتباري جزائريا، وأحمل اسما ولقبا جزائريا «الشريف مولاي». وبعدها دفعت مالا لكي أدخل التراب المغربي عن طريق وجدة، في نهاية سنة 2011. عندما دخلت المغرب علمت أن الأجهزة الأمنية تطاردني من جديد، فذهبت إلى مدينة مراكش، وكنت متابعا بتهمة إصدار شيك دون رصيد، فحاولت أن أبيع مذكراتي الصحافية حتى أحصل على المال، فطاردني رجال الأمن من جديد، فقالوا لي: «لا يمكنك نشر هذه المذكرات. ابحث لك عن أي عمل آخر، ولا تشتغل بالسياسة». لم أجد ما اقتات به، فضايقني رجال الأمن، وقالوا لي: «سنقترح عودتك للعمل في جهاز الأمن من جديد»، قلت لهم: «لا أستطيع فعل ذلك، فسني لا تسمح لي بذلك ووضعي الصحي لا يسعفني أيضا». بعد ذلك دخلت السجن سنة 2013، بعدما تأكدوا أنني لن أتراجع عن أفكاري، دخلت السجن بتهمة تزوير جوازات سفر وبطاقة التعريف الجزائرية التي كنت أتوفر عليها، واستعمال ذلك من أجل تمويه العدالة، فحكم علي بخمس سنوات ابتدائيا، ثم استئنافيا بثلاث سنوات قضيتها كاملة داخل السجن متنقلا بين سجن الزاكي والروماني وسجن تيفلت، وصولا إلى سجن تولال بمدينة مكناس، حيث اشتد علي المرض، لكن فترة السجن كانت مناسبة لمراجعة مجموعة من أفكاري، قدمت خلالها شكاوى إلى منظمات حقوقية ضد النظام المغربي، حيث تعرضت للتعذيب، وعوملت بقسوة. بعدها طلبوا مني أن أتنازل عن شكاياتي وأن أقوم بمصالحة مع النظام، وبالفعل كتبت من داخل السجن رسائل إلى ملك البلاد أناشده فيها إنقاذي من السمنة التي أعانيها، ومن الديون المتراكمة علي من طرف الأجهزة الأمنية.

من كان مكلفا بالتحاور معك؟

إنها جهة لم تكشف لي صفتها، وكذلك إدارة السجون، بعدها تقدمت بمطالبة ورسالة أتراجع فيها عن أفكاري أرسلتها عن طريق إدارة السجن إلى الديوان الملكي.

 هل تلقيت جوابا عن رسائلك؟

نعم تلقت أشعارا بالتوصل لا أقل ولا أكثر، بعد طلب العفو الذي تقدمت به إلى الملك أخبره بأنني تراجعت عن أفكاري، واعترفت بالأخطاء التي وقعت فيها في عهد والده الحسن الثاني، وأكدت أن الملك محمد السادس له خيارات متميزة.

  كيف نسجت علاقاتك الأولى مع معمر القذافي؟ هل عن طريق المخابرات الليبية؟

في عمق محنتي، وضعوا إشهارا يعلنون فيه حاجتهم إلى صحافيين، فسافرت إلى مدينة سرت لأضع ملف ترشحي هناك، كنت أتوقع أن يستدعونني مباشرة، إلا أنهم قالوا لي: «سنبعث لك بعد حين»، ساعتها أحسست بالألم، فأنا لم أكن أتوفر على مال لكي أعود إلى مدينة طرابلس، التي تبعد عن سرت بـ400 كيلومتر. مشيت مسافة 20 كيلومترا، وكنت أدعوا الله تعالى أن يغنيني بحلاله عن حرامه، فوقفت أمامي سيارة فارهة لا أعرف صاحبها ولكنه حملني معه، أحس من كلامي بأنني أتعرض للمضايقات، كنت أحكي له معاناتي وأنا أجهش بالبكاء، حملني إلى مطعم ودعاني لتناول وجبة دجاج، وقال لي: «كل فإن الله سيفتح لك بابا من حيث لا تعلم»، كنت أتحدث بلغة فصيحة، فأدرك أنني إنسان مثقف ولست شخصا عاديا كباقي المغاربة الموجودين هناك. عندما حكيت له قصتي وما وقع لأسرتي بالمغرب، والمتاهات التي تعرضت لها، ظل طيلة الطريق يستمع إلي، فوصلنا إلى محل إقامتي ببيوت الشباب، وكانت الساعة تشير إلى الثانية بعد الزوال، فوضع يده في جيبه وأخرج 1000 دينار ليبي وأعطاها لي. وكانت أول مرة أحصل فيها على هذا المبلغ الضخم من ليبي، فقد كان مبلغا كبيرا يعادل مليون سنتيم، وقال لي: «اذهب بهذا المال إلى زوجتك وضعه بين يديها لكي تشتري ما تحتاج إليه، وسدد الإيجار الذي عليك، ثم أحضر جواز سفرك وأوراقك الثبوتية وسنلتقي في هذا المكان من جديد على الساعة الخامسة عشية، سنعود إلى مدينة سرت من جديد». ذهبت وأنا فرح، فتوجهت إلى المسؤول عن الإقامة وطلبت منه جواز سفري مقابل المال، فامتنع عن ذلك، وقال لي: «لا نريد منك مالا بل نريد زوجتك». لم أجد ما أجيبه به.

التقيت ذلك الرجل الذي أقلني من مدينة سرت والذي سببا في حصولي على عمل وجسري إلى العقيد، فرويت له ما دار بيني وبين مسؤول دار الشباب، فذهب معي إليه، فخاطبه قائلا: «أليس من العيب أن تفعل بضيفنا مثل ما فعلته؟»، فرد عليه: «ومن تكون أنت؟ وماذا تريد منه؟»، فأجابه: «ستعرف فيما بعد من أكون»، فقال له: «طز فيك ومن ستكون؟». غادرنا المكان ولم أحصل على جواز سفري، لكننا رحلنا إلى مدينة سرت مرة ثانية.

  وهل تعرفت على هوية رفيقك؟

عندما وصلنا إلى مدينة سرت، اكتشفت أن الرجل يملك فيلا ضخمة، ولمحت أشخاصا يجلسون على سطحها، فاكتشفت ساعتها أن رفيقي شخص مهم لكنني لم أعرفه.

منحني غرفة في فيلا، وقال لي: «ستنام هنا، وبعد صلاة الفجر سننطلق وسنذهب إلى البناية التي وضعت فيها تلك الوثائق»، فشكرته على حسن صنيعه معي.

عندما استيقظنا باكرا صلينا صلاة الصبح، ثم بعد ذلك انطلقنا، كانت الساعة تشير إلى الساعة الـ7 صباحا حينما حللنا أمام مقر الأمانة الشعبية للإعلام (وزارة الإعلام)، بقيت جالسا في السيارة، وقال لي: «إذا ناديتك، أقفل السيارة واحضر إلى المكتب الذي أكون فيه»، تساءلت في نفسي ساعتها مستغربا: «هل السيارة تتوفر على هاتف؟»، فأنا لم أر شيئا، لكن بعد مدة سمعت صوتا يتحدث من مكبر السيارة، أدركت آنذاك أن السيارة من نوع خاص، وأن صاحبها له مكانة كبرى. دخلت مقر الأمانة الشعبية، فوجدته ينتظرني إلى جانب شاوش وزيرة الإعلام آنذاك، فوزية شلبي، دخلنا إلى مكتبها وقال لها: «هذا هو الأستاذ الذي يعاني المحنة وهو ضيف عندنا»، فقالت لي: «ليس كل الليبيين كما تعتقد، هناك رجال مناضلون وستصبح من رجالاتنا»، ووقعت لي على عقد للتنسيب لكي أشتغل في عمارة الصحافة بجريدة الشمس، أصبحت محررا رسميا هناك، وأصبحت أتقاضى راتبا شهريا يقدر بـ2000 دينار ليبي (ما يعادل مليوني سنتيم)، ساعتها بدأت أحس بأنني وضعت قدميّ على الطريق الصحيح. وأنا عائد مع صديقي في سيارته قال لي: «لدينا مهمة أخرى»، فسألته: «ما هي هذه المهمة»، قال: «سنعثر لك على مسكن آخر بعيدا عن السكن الذي كنت تقطن به»، وبالفعل رافقني إلى منطقة بنعاشور في ليبيا، واكترى لي فيها فيلا، وسدد إيجار سنة كاملة. لم كن أعرف من كانوا يدفعون الإيجار، لكن بعد ذلك تأكدت أنهم ضباط أمن عاديون في تلك المنطقة التي كنت أسكن بها.

بعد ذلك طلب من بعض الأشخاص مرافقتي إلى مقر إقامتي السابقة بدور الشباب، وإحضار زوجتي، واسترجاع جواز سفري من مسؤول الإدارة، وكان يتحدث إليهم بلغة التعليمات. ساعتها أيقنت مرة أخرى أن له قدرا وشأنا كبيرين، لكن ما لمسته فيه هو أنه شخصية ورعة وإنسان تقي ولا يتحدث كثيرا. في الساعة الثانية عشرة من صبيحة ذلك اليوم كنت قد استقررت بفيلا مفروشة بفراش تام، ومنحني 5 آلاف دينار ليبي، (5 ملايين سنتيم)، وقال لي: «إذا احتجت إلى شيء فعليك أن تتحدث إلى أحد هؤلاء الضباط، فأنا سأكون خارج البلاد في مهمة، وسأعود وسوف أسأل عن أحوالك من جديد»، فشكرته، وافترقنا وأنا أدرك أنه شخصية مهمة في الدولة.

في اليوم الموالي، بدأت عملي الصحافي محررا رسميا يتوفر على مكتب بجريدة الشمس، وأدرك الجميع أن هناك واسطة أقحمتني في العمل الجديد.

  هل أصبح زملاؤك في العمل يتوجسون منك؟

بالفعل، بدأ زملائي في العمل يتوجسون مني ويحتاطون وهم يتحدثون معي، لأنهم أدركوا أنه ليس هناك من صحافي مغربي أقحم بهذه الطريقة، لأنه ليس هناك من إعلاميين مغاربة يشتغلون مع النظام الليبي في تلك الفترة، كنا نعد على رؤوس الأصابع؟

   ألم تكن تلتقي عناصر من الشبيبة الإسلامية الذين كانوا موجودين بالتراب الليبي؟

لم أكن ألتقيهم ولا علم لي بهم، كنت أنتمي إلى تيار الوحدويين القوميين، ولم تكن لي علاقات مع الإسلاميين.

كنت أشتغل ذات يوم في صحيفة الشمس، فإذا برجل يدخل إلى مكتبي في الساعات الأولى من الصباح، لأنني كنت ألتحق باكرا بمقر عملي، أدخل في الساعة السابعة صباحا إلى عمارة الصحافة وأنصرف منها على الساعة الـ10 ليلا، والليبيون يلتحقون متأخرين بمكاتبهم حوالي الساعة 10 صباحا لأنهم كانوا يسهرون في الليل، وأنا كنت أشتغل في منابر عدة، وملزما بتحرير مقالات أخرى لفائدة منابر أخرى، كنت مديرا بإذاعة صوت الوطن العربي، وكنت محررا للصفحة القومية والعروبية بجريدة الشمس، ورئيسا لتحرير مجلة الفاتح، ومسؤول مجلة الضحايا الليبيين التي تنتمي إلى جمعية هناء، التي سُميت باسم هناء بنت العقيد القذافي التي توفيت في الغزو الأمريكي في أبريل من عام 1986.

في يوم من الأيام، دخل عندي أحدهم يريد أن يحصل على إعلان إشهاري، فسألني: «هل أنت المثقف المغربي الذي يكتب في هذه الجريدة؟»، قلت له: «نعم»، وحكيت له عن معاناتي في ليبيا، فسألني مرة أخرى: «ما الذي أعجبك في ليبيا؟»، فأجبته: «لقد أعجبتني خطابات العقيد معمر القذافي، وليس ليبيا البلد الذي لا يقبل فكر معمر ولا قناعاته. لم أكن أدرك أن الشخص الذي كنت أتحدث معه هو النجل الثالث للزعيم الليبي معمر القذافي، الساعدي معمر محمد أبو منيار القذافي، معاون أمر ركن الوحدات الأمنية. ظل ينصت إلى كلامي إلى نهايته ثم خرج. بعدها صعد إليّ «البواب» فسألني: «هل حكيت شيئا عن ليبيا؟ لي هل تعرف الشخص الذي كنت تتحدث معه؟ إنه الساعدي ابن القذافي»، فسألته مستغربا: «هل يأتي الساعدي إلى عمارة الصحافة؟»، فأجابني: «نعم يأتي لزيارة تفقدية من حين لآخر. هل تعلم أن والده هو الذي أسس الصحيفة التي تشتغل بها، وأنها تمثل الخط التحرري الليبي؟»، فقلت: «لم أكن أدرك ذلك».

  ماذا وقع بعد ذلك؟

في الساعة العاشرة والنصف ليلا، عندما خرجت من مقر عملي بعمارة الصحافة، وجدت سيارة الأمن الداخلي تنتظرني، حاولت أن أتسلل مطأطئ الرأس وكأنني لم أر شيئا، فتقدموا إليّ، فسألوني: «هل أنت الأستاذ راكز عبد اللطيف؟»، فأجبتهم: «نعم»، فقالوا لي: «مرحبا بك عندنا»، فقلت لهم: «من أنتم؟»، فأخبروني بأنهم جهاز الأمن الداخلي، وقالوا لي: «نحتاج إليك بضع ساعات»، فقلت لهم: «مرحبا». بعدما انتقلت إلى مقر الأمن الداخلي، شرعوا في كتابة محضر ضمنوه معلومات عن اسمي ومساري الدراسي والشواهد التي حصلت عليها، والمعاناة التي مررت بها في ليبيا وبالمغرب، بعد انتهاء التحقيق معي الذي تجاوز ساعتين، قدموا لي ظرفا به عشرة آلاف دينار ليبي (حوالي عشرة ملايين سنتيم)، فأخبروني بأنها هدية من الساعدي، وقبل أن أخرج سألوني: «ما هي أمنيتك في ليبيا؟»، فأجبتهم: «أريد أن أعيش كباقي المواطنين، وأن أَجِد ضالتي كمفكر، وأن أعبر عما أحس به، وألا يعتقلني أي أحد، لم أستطع أن أنجح في بلادي. أريد الحصول على خريطة طريق منكم»، فسجلوا أمنياتي وسألوني: «هل مازالت لديك أمنيات أخرى؟»، فقلت لهم: «أمنيتي أن أرى العقيد وأقبل يديه»، بعد ذلك أقفلوا المحضر، وأعادوني إلى المكان الذي أتيت منه.

بعد مرور أسبوعين، حضر الشخص الذي كان واسطتي في الحصول على العمل، اسمه العقيد نوري عاشور الرقيعى، أحد ضباط جهاز الأمن الخارجي، سألني: «هل أنت مرتاح»، فقلت له: «نعم الحمد لله»، فسألني: «هل تحققت جزء من أمانيك»، فقلت له: «نعم»، فقالي: «عن قريب ستتحقق أمنيتك الكبرى. أعدك بذلك». مر أسبوعان على الحديث الذي دار بيني وبينه، ثم قال لي: «إنني أدعوك إلى مأدبة عشاء خاصة»، فدعاني إلى مكتب اتصال اللجان الثورية، فتناولت الطعام أنا وإياه والعقيد المجذوب الذي كنت أبحث عنه، فقال لي هذا الأخير: «آسف جدا لم أكن في البلد حين أتيت إلى ليبيا، فقد علمت بما وقع لك، وهو أمر لم يقع لغيرك، لكن ربما حظك سيئ، نعدك بطي هذه الصفحة. نحن نؤمن بجدية أفكارك»، قبلت يديه ثم خرجت أنا والعقيد عاشور، فقال لي: «ألم تعلم من كان معنا، إنه العقيد عاشور محمد الزنتاني، الذي يشتغل ملحقا خاصا في الأمن الخارجي».

  هو من مكنك من ملاقاة القذافي؟

في احتفالات فاتح شتنبر من سنة 1990، حضرت حفلا، ودخلت أنا والعقيد عاشور إلى قصر العزيزية، الذي كان يقيم فيه العقيد القذافي، فجلست أنتظر، فإذا بالرجل الكبير يدخل، هامة عالية، وشخص رائع في شكله، متواضع في تصرفاته، فخاطبني قائلا: «حياك الله أيها الأستاذ»، فقلت له: «حياك الله أيها العقيد، يا أمين قوميتنا، نحن ضيوف عندك»، فقال لي: «ونحن سنقوم بواجب الضيافة. لقد علمنا بمأساتك»، فقبلت يديه، فقال لي: «هل نحن في المغرب؟»، فقلت له: «لا، إننا في ليبيا»، فقال لي: «نحن لا نقبل الأيادي ولا نقبل الرأس، بل نقول حمدا لله وشكرا»، ثم خرجت من عنده أنا والعقيدان محمد عاشور ومحمد المجذوب، فسألاني: «هل تحققت أمنيك؟، فأجبتهما: «نعم»، فقالا لي: «أنت من الآن مواطن ليبي». بعدما افترقنا غمرتني سعادة كبيرة، لقد وصلت إلى رجل أحببته في صمت، لكن، هل هذا الرجل هو الذي سيحقق أمنياتي وأماني الثوار العرب الذين كانوا يحلمون بقلب أنظمتهم الاستبدادية والتخلص منها؟ ألا يمكن أن يكون لهذا الرجل وجه آخر خفي؟ ألا يمكن أن يكون الكرسي الذي يجلس عليه ككراسي باقي الزعماء، يدفعه إلى القيام بمجموعة من التجاوزات في حياته؟ أسئلة كثيرة كانت تعتمل بداخلي، لكن ما لم أستطع أن أحاربه أو أتجاوزه، وهي أنه كانت لي رغبة كبيرة في أن أكون إلى جانبه. كانت صيحاته تجاه الأمريكان والأنظمة الاستبدادية العميلة تشدني إليه، لذلك أطلقت العنان لكتاباتي، وكنت أتحدث في برنامج «عرس الوطن»، في سنتي 1997 و1998، عن النظام الذي عشنا فيه وعن المعاناة التي يعيشها المغاربة، وانقسام المجتمع إلى طبقتين، طبقة الثراء الفاحش، وطبقة تعيش في الحضيض. كانت تصريحاتي تثير ضغينة المغاربة، وضغينة الأجهزة التي كنت أشتغل فيها بالمغرب، حينها أيقنت أنني بدأت أطرق أبوابا لا يجب أن أطرقها، في لحظة من اللحظات بدأت أفكر في التوقف عن الكتابة، فطلب مني العقيد الانتقال للاشتغال في الخط الثوري بإذاعة صوت الوطن العربي، فقبلت ذلك، كنت ألتقيه بين الفينة والأخرى، في إقامته الخاصة بباب العزيزية. عندما كان العقيد يتحدث، كنت أحس بأن هناك طاقما خاصا من الثوار العرب يتعامل معهم، من الثوار المغاربة والعرب والأوروبيين الذين كانوا يحبونه كثيرا لثوريته، لكني لم أكن أدرك أن كل هؤلاء يحملون صفة استخباراتية، ويشتغلون لفائدته خارج البلد.

ما هي المهام التي كلفك بها معمر القذافي؟

كنت أسافر بجواز سفر أحمر دبلوماسي وبصفتي الإعلامية، وكنت حين أسافر أقوم بالاتصال بالسفارات الليبية في الدول التي أسافر إليها لمساعدتي، أو ألتقي الأشخاص الذين يبعثونني إليهم. تلك الفترة كانت مثيرة للاهتمام، حيث لم أشتغل إلا مدة قليلة في مهام لم تتجاوز 8 على الأكثر، كان إذا كلفني القذافي بمهمة كنت أنجزها، ولم أكن أحس بأي نوع من الريبة، ولكن المهمة التي قمت بها في تونس هي التي أتعبتني، حيث كلفت بتحمل تبعات الخطأ الاستخباراتي الذي ارتكبه أحد الضباط، حين أدخل أسلحة في بداية ثورة الكفصة، فعلم بنعلي بأن هناك عقداء ليبيون مسؤولين عن هذه العملية، وخشي العقيد القذافي أن تؤثر هذه العملية على علاقته بنظام بنعلي أثناء الحصار الاقتصادي المفروض على ليبيا ساعتها، فكلفني بأن أتبنى هذه المهمة، وبالفعل أخذت أموالا وذهبا من عند العقيد، ودخلت إلى تونس، وفتحت مقرات لشركات متعددة في العاصمة التونسية، وبالموازاة مع عملي، بدأت أقوم بمهمات استخباراتية، وإفادة ليبيا بمعلومات عن تونس، وأوهمت السلطات التونسية بأنني اشتغل فعلا لفائدة النظام، فضبطت في تونس على أساس كوني متعاونا مع النظام الليبي، وأنني ضابط في جهازهم، وأنني من أدخلت الأسلحة إلى تونس، وأنا الذي قمت بالتواصل، وبذلك برئ العقيد الرحام… وسجنت على إثرها تسع سنوات تحت الأرض.

كيف كانت علاقتك بنظام بنعلي؟

النظام التونسي اختلق قضايا ضدي، ولَم يصرح بتاتا بأنني ضبطت من أجل ملف تجسسي لكي لا يثير ضغينة نظام معمر القذافي، فاعتقلت بتهم الحق العام وتهمة إحداث شركات وهمية، ثم دامت إقامتي بالسجن تسع سنوات، كنت أتلقى خلالها معاملة خاصة في السجن، كنت في زنزانة انفرادية لا أستقبل أو أرى أحدا، وكنت مقيدا بسلسلة في قدميّ طيلة تسع سنوات، كانوا يعطوني الأكل كالكلب. في تلك الفترة استنجدت بسفارة المغرب ولَم تنقذني، ولكن كنت أدرك أن النظام الليبي يعرف أنني سأمضي تسع سنوات أو عشرا وسيفرج عني تحت ضمانته أو كفالته. كانت لي اتصالات من داخل السجن عن طريق ضباط تونسيين كانوا يتعاملون مع مسؤولين في السفارة الليبية، ومن خلالهم كنت أتوصل بالمعلومات والأخبار. كنت عارفا بمجريات الأحداث في ملفي، كنت أعلم ماذا يفعل العقيد وما هي الأخطاء التي ارتكبها وكل شيء.

حسب ما ترويه الآن، فإن النظام الليبي تركك تواجه مصيرك وحدك في سجن تونس؟

(مقاطعا) لا لم يتركوني أواجه مصيري، بل دفعوا لي أموالا، وإلى حد الآن مازالت أرصدتي المالية مجمدة في الجماهيرية العربية الليبية، وأمتلك فيلات خاصة مازالت هناك، ولحد الآن لم أحصل عليها، كما لي أموال حتى في تونس، لم أستطع أن أسترجعها إلى حد الآن، ولي أموال أخرى في مناطق أخرى من العالم، في قبرص، كان يدفع لي معمر القذافي شخصيا أموالا، لكنها مصادرة ولا أعلم عنها أي شيء لحد الآن، وحاولت استرجاعها مرارا وتكرارا، لكنني لم أنجح في ذلك، الشيء الذي جعلني أعاني ظروفا قاسية، فقد حرمت من استرجاع أموالي وممتلكاتي لأنني متهم بالعمالة لفائدة النظام الليبي.

بعدما وقعت الثورة أحسست بأن هناك أشياء جميلة خسرناها، خسرنا معمر القذافي وتجربته، وأناسا يمثلون سندا لنا، في داخل تونس عانيت الكثير داخل السجن. حينما كنت أدير شركاتي في تونس، استطعت أن أقترب من حاشية النظام التونسي، وأن أخترق عائلة الطرابلسي. كانت تربطني علاقة غير مباشرة بليلى الطرابلسي، عن طريق شقيقها الحاج محسن الهارب، وسليم شيبوب، كل هؤلاء كانوا يمثلون حاشية بنعلي.

هل التقيت زوجة بنعلي؟

بلم ألتقِها شخصيا، بل التقيت سيدة لها مكانة كبيرة في تونس، وهي السيدة شلبي، كانت من المستشارات الخاصات لنظام بنعلي، فقد جمعتها علاقة وطيدة بليلى الطرابلسي. حين كنت في تونس كانت تتردد على شركاتي، ولم تكن تعلم بصلتي بالليبيين. كانت تعرف أنني مثقف ومناضل مضطهد، وكانت تسر إليّ بأسرار الدولة، ودخلت معها في صفقات وهمية لتهريب السيارات وجلبها من كوريا ومن مناطق عديدة عن طريق شركة للخدمات كنت أمتلكها، وعن طريقها التقيت جميلة بنعلي، شقيقة الرئيس للتونسي المخلوع، وأحببتها لأنها كانت ناضجة ومنفتحة، ومن خلالها حصلت على المعلومات الاستخباراتية التي كنت أريدها.

هل كانت مهمتك الاستخباراتية التي كلفك بها القذافي هي أن تخترق نظام بنعلي؟

بالفعل، كانت مهمتي أن اخترقه وأن أكون من حاشيته، وبالفعل نجحت أن أكون داخله، وكنت أعرف العديد من الحقائق، ومنها علاقته بالنهضة، وما هي الممارسات التي مارسها ضد الإخوان المسلمين هناك، وكيف كانت علاقته بزوجته ليلى الطرابلسي. كنت مكلفا بجمع أكبر قدر من المعلومات، خصوصا أن القذافي كانت تجمعه علاقة بزوجة بنعلي، وكان العديد من الضباط في المخابرات يتهمونه بذلك، وكانت زوجة بنعلي في بعض الأحيان تحضر إلى ليبيا للقاء القذافي مباشرة، كان سخيا معها لأنه كان يريد أن تقنع بنعلي بالاستمرار في إدخال السلع إلى ليبيا أثناء الحصار الاقتصادي المضروب عليها، كما أنه كان يعول على بنعلي لتحسين علاقاته بفرنسا، فبنعلي له دور كبير في ربط علاقة قوية بين الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، ومعمر القذافي، فالحوار مع أوربا كان يتم من خلال تونس، لذلك كان القذافي يمنح أموالا لتونس، ولَم يكن يريد أن يخسر علاقته ببنعلي. لم يكن يرتاح إلى المغرب ولا إلى الجزائر، ولكنه اطمأن إلى التونسيين ونظامهم السياسي. دخلت التراب التونسي وبحوزتي مبلغ مالي بقيمة 200 ألف دولار، وكلها تسلمتها من إدارة جهاز الأمن الخارجي، وكانت بحوزتي أكثر من عشرة كيلوغرامات من الذهب. دخلت عبر الحدود التونسية الليبية، كشفت المال والذهب لجهاز الجمارك، ووضعتها في أحد الأبناك، في مدينة صفاقص، ثم بعد ذلك بدأت أفكر في إنشاء شركة، وفي الوقت نفسه كنت أتواصل عبر جهاز هاتفي خاص مع إدارة الاستخبارات الليبية التي كانت تتبعني، استحدثت شركة مختصة في الهجرة وبيع السيارات، تعرفت إلى أشخاص أثرياء، أوصلوني إلى عائلة الطرابلسي.

القذافي أغدق المال على ساركوزي عن طريق بنعلي

من خلال العلاقات الملتبسة التي جمعت بنعلي والقذافي وساركوزي، ما هي حقيقة العلاقة التي جمعت القذافي بساركوزي؟

الذي يتضح بشكل جلي أنه لولا بنعلي ما كانت ستكون هناك علاقة بين ساركوزي والقذافي، رغم أنه تدخل في هذه العلاقة وسطاء آخرون لبنانيون مقيمين في فرنسا، إلا أن الأصل في هذه العلاقة بدأ انطلاقا من تونس وبوصاية من بنعلي، الذي وفر الكثير للقذافي، وفعلا لم يكن ساركوزي لينجح في الانتخابات لولا الدعم المالي والوجيستي الذي قدمه له القذافي، فقد أغدق عليه الكثير من المال، وكان يدرك أن ساركوزي لا يحب العرب، ولا يمكن أن يخدم القضية الفلسطينية ولا القضايا الإقليمية، ولا يمكن استقطابه إلا عن طريق المال، لذلك أغدقه عليه، ومقابل ذلك وفر ساركوزي للقذافي بساطا وقنوات حوار سرية مع الأمريكيين والأوربيين، وجرى طي صفحة لوكربي بشكل واضح وبأخف الأضرار بالنسبة إلى ليبيا، التي دفعت أموالا كثيرة، لكنها تخلصت من الحصار الاقتصادي الذي فرض عليها لسنوات طويلة، وكذلك تحسنت العلاقات الأمريكية والأوروبية مع القذافي، فلم يعودوا ينظرون إليه باعتباره ذلك المشاكس المعارض لهم، بل أصبحوا يعتقدون أنه شخص سلس يمكن أن يقدم لهم تنازلات كثيرة.

هل كانت لكم صلة بالأموال التي أغدقها القذافي على ساركوزي؟

الأموال التي توصل بها ساركوزي كانت تمر عن طريق تونس ولَم تكن تمر عن طريق المخابرات الليبية، وحتى اللبنانيين كانوا يأخذونها من تونس، وحتى الأموال التي كانت تحول للأمريكيين والفرنسيين كانت تمر عن طريق مالطا، فكانت الملتقيات تعقد في قرطاج ومالطا، والمسألة المؤكدة هي أن زوجة ساركوزي هي التي كان لها الفضل في طَي ملفين، ملف الممرضات البلغاريات والفلسطيني المتهمين بنقل السيدا إلى الشعب الليبي، وكانوا مقيمين في منطقة تاجوراء. ولولا زوجة ساركوزي لما قبل العقيد معمر القذافي أن يطلق سراحهم.

ما هي المعلومات التي تتوفر عليها بهذا الشأن؟

حضرت زوجة ساركوزي إلى ليبيا، وقابلت معمر القذافي شخصيا، في المرة الأولى امتنع عن مقابلتها، لكنها في المرة الثانية أصرت على أنه لا يمكن حل القضايا العالقة بالنسبة إلى لوكربي والملف النووي إلا عن طريق المفتاح الفرنسي، وبالفعل، استمع إليها القذافي، وقبل بشروطها في الإفراج عن البلغاريات والفلسطيني، واستفاد من الدور الذي قام به ساركوزي من أجل ثني الفرنسيين ضحايا لوكربي عن المطالبة بالمزيد من التعويضات، ناهيك عن الدور الذي لعبه الرئيس الفرنسي مع الأمريكيين من أجل طي الملف النووي، وتقديم جميع المعطيات المرتبطة بتصنيع القنبلة النووية وطبيعة الدعم الوجستيكي الذي وفره النظامان الأمريكي والباكستاني لفائدة القذافي، رغم الحرج الذي وقع فيه هذا الأخير، كما استطاع ساركوزي أن يقنع القذافي بالسماح لضباط وخبراء البنتاغون بالدخول إلى ليبيا من أجل الحصول على كل المعلومات الحربية والتقنية المرتبطة بتصنيع السلاح النووي.

شارك برأيك