التازي: دخلنا مرحلة تقليد مزمنة.. وفقدنا ما يميزنا من أصالة وتربية – اليوم 24
عبد الرحمان التازي
  • مريم بن مبارك

    بعد جدل مشاركتها بمهرجان إسرائيلي.. بنمبارك تعرض “صوفيا” في المغرب

  • حرض مسرحي ايطالي - بالي ميلامو - شهرزاد ألف ليلة و ليلة  (6)

    الخادمتان والأسدي يمثلون المغرب فى مهرجان المسرح التجريبى بمصر

  • نبيل عيوش

    عيوش: «أنا ضد التطبيع، ولن أذهب إلى «إسرائيل»

حوارات

التازي: دخلنا مرحلة تقليد مزمنة.. وفقدنا ما يميزنا من أصالة وتربية

حوار مفتوح هو لقاء لـ«أخبار اليوم» مع القوة الناعمة المؤثرة في الرأي العام. فنانون ومثقفون مغاربة نطرح عليهم السؤال حول فيلم أو عمل إبداعي من جنس آخر كان له الأثر في حياتهم، ومنه ينطلق التفاعل لطرح أسئلة أخرى مفتوحة. ضيف حوار اليوم المخرج المقتدر عبد الرحمان التازي، أحد أبرز رواد السينما المغربية.

ما هو العمل الإبداعي الذي تعرفت عليه وبقي راسخا في ذاكرتك واعتبرته نموذجا؟

إذا تحدثنا عن تأثير الأعمال الإبداعية في مساري، فبالنسبة إلي تأثرت بنوعين؛ الكتب والأفلام السينمائية، وفي الشق الثاني تأثرت أكثر بالأعمال التي شاهدتها وأنا شاب خلال دراستي في المرحلة الثانوية، وبعدها بالأفلام والأعمال التي تصب في اتجاه ما أهتم به، وهو التراث والمجتمع في مختلف طبقاته.

حيث إن هاجسي الأول في السينما هو تحقيق العملية التواصلية، وأفضل وسيلة للتواصل هو قناة السمعي البصري، خاصة أنه في المرحلة الأولى للسينما في المغرب كان المجتمع يعرف نسبة أمية كبيرة، إذ كانت تتعدى نسبة 60 في المائة، وأتحدث هنا عن مرحلة الستينات من القرن الماضي. وهذه الأمية مستمرة اليوم أيضا، وربما هي أكثر اليوم بمعايير أخرى، خصوصا أن معدل القراءة ضعيف جدا لدى المغاربة، لذلك، فأفضل وسيلة للتواصل وإيصال المعاني والأفكار، مرحليا، هي عبر الوسائل السمعية البصرية، الأنترنت وغيرها، ومعها أيضا السينما.

أكيد أن في ما قلته فائدة وتذكير بطبيعة ما تشتغل عليه، لكن لو تكشف لنا عملا واحدا من الأعمال التي تعتبرها الأفضل؟

بالنسبة إلي تأثرت بعدة مخرجين سينمائيين، وتحديدا بالكيفية التي يصورون بها مجتمعاتهم. ومن بين هؤلاء المخرجون الفرنسيون الأبرز في سنوات الستينات، والمخرج المصري يوسف شاهين، وسينمائيو ما عرف بالواقعية الجديدة بإيطاليا، تأثرت بأولئك في ارتباطي بمجتمعي المغربي، وأنا أفكر كيف يمكن معالجته وانتقاده، لكن ليس بطريقة جريئة، فكان الاختيار هو الكوميديا، وهو ما اشتغلت عليه.

 بعيدا عن المدارس السينمائية وأسماء الأشخاص، ألم يكن هناك إبداع عالج مجتمعه بأسلوب شدك أكثر من غيره؟

إذا كان لا بد أن أتحدث عن عمل إبداعي واحد، فسأذكر هنا رواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

وما جذبني هو كيف قارب هذا العمل الإبداعي الإرث العائلي، المرتبط بالعادات، وكيف يمكن الحفاظ عليه في ظل تعاقب الأجيال. ويوضح العمل كيف تتغير الأشياء والأشخاص، نسبيا، دون أن يتغير الطابع الأساس، طابع الأب الأول، الذي وُرث على امتداد ثلاثة أجيال.

أفهم من قولك أن ما علق بذهنك أكثر من هذه الرواية هو كيفية تصوير المخرج توارث التقاليد والعادات عبر الأجيال داخل أسرة واحدة؟

أجل هو كذلك، العمل صور ثلاثة أجيال حافظت على المسار نفسه بالطباع والعادات نفسها. كما صور العمل موضوع التعامل مع البيئة ومع المجتمع بكل مكوناته، لكن أكثر ما لفت انتباهي هو كيف صور إشكال الحفاظ على الإرث أو التراث، والتمسك بالخاص المميِز، هذا التمسك الذي نحتاج اليوم إلى تركيز الانتباه عليه.

العمل برأيك يطرح فكرة الحفاظ على الإرث أو التراث، أيا كانت طبيعته؟

صحيح، خصوصا بعدما دخلنا مرحلة العالمية أو العولمة، التي صارت تمسح فيها ملامحنا وهويتنا بشكل فظيع، بفعل الدخول اللاواعي في التقليد، هذا التقليد الأعمى الذي ضاعت وتضيع تحت تأثيره اليوم، التقاليد. تقاليدنا المميزة من لباس وعلاقات وبنية وغيرها.

دخلنا مرحلة تقليد مزمنة، ففقدنا ما يميزنا من أصالة وتربية عربا وأمازيغ… دخلنا عالما ينزع عنا ما يميزنا. صحيح أن الاندماج وركوب قافلة العولمة شيء جيد في مسار التقدم، لكن ذلك يجب ألا يكون على حساب الهوية، ونكون نحن من يمسحها في الوقت الذي وجبت فيه العناية بها.

تبدو من كلامك مهموما بواقع الانسلاخ عن الهوية في مرحلة المغرب الراهنة؟

فعلا، لذلك، فأنا ضد التقليد الأعمى في كل المجالات، ومنها المجال الإبداعي. ومن مظاهر التقليد الأعمى التي تزعجني شخصيا، وأراها غريبة، طريقة حلق الشباب رؤوسهم في الفترة الحالية، أو طريقة تصفيفه التي تخلو من أي ذوق سليم، وكثير منها لها دلالات سيئة، ويعمد الشباب المغاربة إلى تقليدها دون حتى معرفة ما قد تعنيه.

أو أولئك الشباب الذين يرتدون سراويل يتحول موضع الحزام فيها نحو الجزء السفلي من الجسد، وهذه لها دلالات قبيحة أيضا، بالإضافة إلى كونها غير لائقة شكلا.

إذا تحدثنا عن التقاليد، سنتحدث ضمنها عن اللباس، هل يفترض مثلا في الشباب ارتداء اللباس التقليدي في يومياته؟

لم لا، وإن كان ليس بالضرورة، فاللباس التقليدي المغربي له هيبته، وجماليته. وشخصيا ألاحظ، في عدد من البلدان الأجنبية، كثيرين يقبلون على ارتداء الملابس الفضفاضة والواسعة، مثل «سروال قندريصي» أو «تشامير»، وما شاكل ذلك. وفي بلدنا مازال المغاربة متشبثين بتقليد لباس أفلام أمريكا وما شابه، وصار اللباس التقليدي لديهم مقتصرا على البيت أو المناسبات.

مادمت تتحدث بهذه الحرقة معلنا رفضك التقليد الأعمى، ماذا فعلت لمحاربة مظاهره، بصفتك مخرجا سينمائيا وتلفزيا بإمكانه نشر الوعي بضرورة تجاوز هذا التقليد المسيء للهوية؟

اشتغلت على أعمال عديدة، بينها مسلسل «الحسين والصافية»، الذي مر على عرضه أول مرة أكثر من 10 عشر سنوات، ومازال يحظى بشهرة طيبة. وقد بدأ بثه من جديد على القناة الثانية.

المسلسل يعالج، في قالب اجتماعي كوميدي، كيفية التعامل السليمة وسط العائلة المغربية، إذن، فهو دعوة غير مباشرة إلى الحفاظ على الأصل. وهذا الأسلوب غير المباشر، وخاصة الأسلوب الذي يعتمد البسمة، أعتبره أقدر، من أسلوب الدرس والحث المباشر، على التأثير في المتلقي وجعله ينخرط في ما نريده أن يصل إليه ويؤمن به، سواء عبر التلفزيون أو السينما.

الخلفية الاجتماعية حضرت دوما في أعمالك، ومنها فيلم «البايرة» وفيلم «البحث عن زوج امرأتي»، وغيرهما، لكن دعنا نستحضر الفيلم الأول «البايرة»، عنوان الفيلم هو صفة قدحية محملة بمعانٍ مؤذية نفسيا. إذ إنها من البوار، ويعني عدم الصلاحية والموت، ولا يقبل نعت حي بالميت. المصطلح مازال شائعا في مجتمعنا المغربي، والإحصاءات الأخيرة تقول إن نسبة الفتيات «العوانس» في المغرب وصلت إلى 60 في المائة من مجموع الفتيات المغربيات اللواتي في سن الزواج. إذا أخذنا هذه المعطيات، بشكل متخيل، ماذا يمكن أن تضيفه للفيلم لو صورته حديثا؟

الظواهر التي يضج بها مجتمعنا وتضر الخاطر، ولا يمكنني مواجهتها، أشتغل عليها بشكل إبداعي، ولو الأساس لدي في العملية الإبداعية هو عدم المباشرة.

الفيلم انطلق من فكرة «البايرة»، هذه الفكرة لم تخلقها المرأة نفسها، فهذه المرأة في عمقها تؤمن بأن الزواج ليس التزاما وأن يكون في سن معينة. وبعيدا عن فكرة الزواج، فهذه المرأة تحمل قناعات أخرى ولديها حياة سعيدة بها، عمل أو دراسة أو غيرها. المرأة «البايرة» هي كذلك في عيون أشخاص يحيطون بها. فالمشكل في هذا المحيط في المجتمع وليس في المرأة. في المحيط الخارجي، سواء القريب جدا أو البعيد نسبيا، الذي يرى في عدم زواج المرأة التي قاربت سن الثلاثين أو تخطتها إلى الأربعين شيئا معيبا. ويسعى بوعي أو بدونه إلى أن يحرمها عيش حياتها برضا. وهذا ما سعيت إلى إظهاره في الفيلم، والرؤية نفسها مازالت قائمة.

نعود إلى منطلق حديثنا رواية «مائة عام من العزلة» التي قلت إنها أكثر الإبداعات التي أثرت فيك، حدثنا أكثر عما أثارك فيها؟

الرواية تندرج ضمن النوع الذي يهمني ويوجهني في مسار بحثي في المجتمع وتطوره عبر التاريخ. وحين أتأمل العلاقة بين الأشخاص، أرى أنها تتكرر ولا تتطور، وربما تتحول نحو الأسوأ، والشخصيات المتحكمة، الأب والابن وبعدهما الحفيد، لا تتطور أيضا، ومشاكل المجتمع تبقى هي نفسها. وبحكم معايشتي أجيالا متعاقبة، قارنت تطور الأجيال في الرواية بتطورها في المجتمع المغربي، فلم ألاحظ أي تطور إيجابي، الأوضاع هي نفسها، بل أكثر من ذلك، فقد تحمل المقارنة ابني أو حفيدي إلى الحنين إلى العيش في الزمن السابق الذي عشته في عمره.

نمن خلال قراءتك، وكأن الرواية تريد أن تقول لنا إن الإرث أو الموروث ما لم ننفتح به ونطوره قد يتحول إلى شيء راكد؟

صحيح نسبيا، وفي هذا الصدد تحضرني رواية «فضل الليل على النهار» لياسمينة خضرا، الذي يقدم لنا قراءة للجزائر ومجتمعها عبر تتبع شخصية طبيب منذ الصغر. وهي رواية جميلة جدا اشتغل صاحبها بروح غابرييل غارسيا ماركيز في «مائة عام من العزلة». وكلاهما عالج الموضوع نفسه، تطور المجتمع، فقط أحدهما في شمال إفريقيا والثاني في أمريكا اللاتينية.

بصفتك أحد رواد السينما المغربية، ما أهم ما يجب أن يركز عليه المخرجون الشباب من الذين يرغبون في الاشتغال على المجتمع في علاقته بالتراث؟

على المخرج أن يضع نصب عينه حفظ الذاكرة، وأقصد الجميل فيها. في المغرب بدأنا نفقد ذاكرتنا، إن لم أقل إننا بدأنا في محوها، بما تحمل من ثقل فكري واجتماعي وسياسي.. وحين نتكلم عن شخصيات مثل عبد الكريم الخطابي، نجد أن لديهم إلى جانب المواقف السياسية مواقف تخص الإنسانية ورؤى نبيلة، تتعلق بالحرية وغيرها. وهي مواقف نحاول اليوم محوها…

بمن تقصد بنون الجمع حين تقول إن لدينا ذاكرة مهمة نحاول اليوم محوها؟ هل تتحدث بشكل خاص أم تقصد جهات خاصة أو مؤسسات؟

أقصد أن التعليم الأساسي عليه أن يهتم بحفظ الذاكرة، وذلك دور الوسط الأسري أيضا، الذي قد يطمس الذاكرة عن جهل. لأن المراحل الأولى من الطفولة هي الفترة المناسبة لتثبيت المبادئ التي نريدها أن تتأصل وتستمر. والأسرة لها دور كبير في ذلك، في التربية على الذوق السليم، وعلى التوازن، الذي هو متأصل في تراثنا، بدءا من اختيار وتنسيق ألوان الملبس، وانتقاء الكلمات في ردود أفعالنا

شارك برأيك