العرب والمسلمون في السياسة الخارجية لأردوغان – اليوم 24
رجب طيب أردوغان
  • لماذا لا يأكل «الحراڭة» البسكويت؟

  • ناصر بوريطة

    المغرب لن يعترف باستقلال كوسوفو مقابل حياد صربيا في الصحراء

  • التغطية الصحية وتقاعد المستقلين.. خطوة جديدة

الرئيسية

العرب والمسلمون في السياسة الخارجية لأردوغان

مع اقتراب مرور قرن كامل على الاحتضان الغربي لتحركات «الوطنيين» العرب الساعين للتخلّص من السيطرة العثمانية (التركية)، واحتضان باريس لأحد أشهر مؤتمراتهم عام 1913؛ تحوّل الانجذاب العربي التركي الذي أفرزته ثورات الربيع العربي، إلى مصدر لهواجس جديدة للعالم الغربي، جعلته يسحب رداء الرضا الذي ظلّ يلفّ به الدولة العلمانية في تركيا منذ تأسيسها من طرف أتاتورك. والسبب الرئيس، تجاوز تركيا أردوغان لحدود الدائرة المرسومة لها منذ قرن، وشروعها في تصدير نموذجها القائم على ثنائية القومية والانتماء الإسلامي، إلى شعوب المنطقة العربية التي خرجت عام 2011 بحثا عن الخلاص من قيود ما بعد «سايكس بيكو» ومعها أنظمة الاستبداد والقمع.

تركيا أردوغان القوي واسطنبول البهية والجيش المسلّح ذاتيا (تقريبا) والدبلوماسية المتمردة على الوصاية الغربية والطامحة إلى دور إقليمي يستند إلى الشرعيتين التاريخية والدينية؛ لم تعد هي تركيا ما قبل الربيع العربي، أي تلك الدولة التي تعانق الغرب مجرّدة من ردائها الثقافي (الديني). والرجل الذي يحكم تركيا منذ أزيد من 15 عاما، بدوره لم يعد ذلك الشاب المتمرّد على شيخه (أربكان)، والساعي إلى الجمع بين العلمانية والتنمية والإشعاع الدولي. 

رجب طيّب أردوغان، شق لنفسه طريقا نقلته من مجرّد رئيس حكومة يمشي في ظلّ الدولة العميقة (الجيش والقضاء)، إلى سلطان جديد يحرّر الشعور الديني من جديد داخل نفوس الأتراك، ويغيّر الدساتير ليصبح رئيسا للجمهورية على النمط الأمريكي، دون أن يخلو سجلّه من آلاف الاعتقالات في صفوف الخصوم السياسيين والصحافيين والمعارضين، بدعوى التواطؤ مع الأعداء والانقلابيين. «أخبار اليوم» التي كانت قد خصصت في صيف العام 2011 حلقات مطوّلة لرسم صورة كاملة عن مسار تركيا منذ عهد أتاتورك إلى مرحلة هذا الرجل المعجزة؛ تعود بعد سبع سنوات لتنحت هذا البورتريه، مع ما حملته هذه السنوات من منعرجات وتحولات. تركيا القوية اقتصاديا وعسكريا ودبلوماسيا باتت اليوم درسا إلزاميا لجميع شعوب المنطقة العربية، لا مناص من قراءته، دون إغفال أن صانع هذه التجربة الاستثنائية، أردوغان، إنسان راكم الخطايا كما «الحسنات».

أعادت الأزمة الدبلوماسية والاقتصادية، التي عصفت بالعلاقات التركية الأمريكية أخيرا، في ارتباط بما يعرف بانهيار الليرة التركية بعد قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، رفع الرسوم الجمركية على بعض السلع التركية؛ علاقة تركيا بالمنظومة الغربية إلى الواجهة. تشعبات وامتدادات هذه العلاقة تحوّلت إلى جدل في بعض الأوساط الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي، بين مؤيد ومناهض للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في جل الدول العربية، ومن بينها المغرب.

جذور هذه العلاقة المعقدة بين تركيا والغرب تعود إلى أمد بعيد، حيث يؤكد سمير سبيتان، في كتابه «تركيا في عهد رجب طيب أردوغان»، أن الدولة التركية الحديثة، التي يناهز عمرها قرنا واحدا، ورثت تاريخا طويلا من الشكوك والصراعات مع أوربا، «إلا أن مؤسس الدولة مصطفى كمال أتاتورك اتخذ، منذ بداية العهد الجمهوري عام 1923، العديد من القرارات الجذرية التي أدت إلى تغيير وجهة تركيا من الشرق إلى الغرب. ومن بين هذه القرارات استخدام الحروف اللاتينية مكان العربية في الكتابة، وإلغاء عطلة يوم الجمعة».

هذا التقارب بين تركيا والغرب استمر رغم تذبذبه، حسب المعطيات الدولية والإقليمية، إلى أن توّج عام 1989 بإعلان الاتحاد الأوربي استعداده لقبول انضمام تركيا إليه. بل إن التكتل الأوربي قبل سنة 1996 انضمام تركيا إلى الاتحاد الجمركي الأوربي، في إشارة تدل على جدية الاستعداد الذي عبر عنه. لكن وصول أردوغان ومعه حزب العدالة والتنمية «الإسلامي» إلى السلطة، جاء في وقت بدت فيه تركيا كما لو أنها فقدت القدرة على الانتظار والصبر على تماطل الأوربيين في قبول عضويتها الكاملة.

نهجت حكومة أردوغان منذ البداية خيارا مزدوجا، يجمع بين مواصلة السعي إلى تحقيق تقارب أكبر مع أوربا والولايات المتحدة الأمريكية، والانفتاح على العالم العربي والإسلامي. «إن أي حكومة تأتي للحكم في تركيا لا يمكنها أن تتخلى تماما عن الغرب وأوربا، مثلما لا يمكنها التخلي عن الشرق والإسلام»، يقول سمير سبيتان، مضيفا أن تركيا رغم كونها دولة علمانية وقريبة بالتالي من الغرب، «فإنها في الوقت نفسه دولة إسلامية ورثت إحدى كبرى الإمبراطوريات التي حكمت هذه البقاع فترة طويلة، ويتعين عليها أن تدرك المسؤوليات التاريخية والثقافية التي تقع على عاتقها إزاء المنطقة التي توجد فيها وإزاء العالم برمته».

من جانبه، يوضح محمد زاهر جلول، في كتابه «التجربة النهضوية التركية»، أن من بين ما ركّزت عليه الحكومة التركية في وضع سياستها الخارجية، كسر احتكار البنيات البيروقراطية لهذا المجال، وانفتاحها، في المقابل، على أدوات الدبلوماسية الموازية، خاصة منها دبلوماسية البرلمان والمجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين والعلميين… «ليس ثمة شك أيضا في أن القيام بجهود استراتيجية في العلاقات الدولية، وتحليل السيناريوهات، وعمل الإسقاطات المستقبلية، أمر بالغ الأهمية في تطوير أدوات السياسة الخارجية، لذلك، وضعت الحكومة التركية مهمة التعاون مع الجهات الناشطة في مجال السياسة الخارجية داخل المؤسسات العامة، مثل المراكز البحثية ومعاهد السياسة الخارجية وأقسام العلاقات الدولية في الجامعات، في رأس جدول أولوياتها».

انفتاح استخلصت منه تركيا توجهات أساسية في سياستها الخارجية، تساعد في فهم الوضع الحالي لتركيا في علاقتها بالغرب، وما تثيره من جدل في محيطها العربي بين مؤيد ومعارض. فتركيا التي وقّعت على خروج مثير نحو العالم في السنوات الماضية، قررت الشروع في المبادرة لحل النزاعات التي تعرفها دول المنطقة. تركيا التي رفعت إيقاع نهضتها في العقدين الماضيين، أصبحت تنطلق من قاعدة مفادها أن محيطا إقليميا آمنا ومستقرا سيساعد في الرفع من وتيرة النمو الاقتصادي. قاعدة أخرى وضعتها تركيا، تتمثل في الاحتفاظ بتحالف استراتيجي مع أوربا وأمريكا، دون التخلي عن مطالبها الترابية في قبرص، ودون الدخول في صراع مع روسيا.

إحدى أبرز هذه القواعد التي اعتمدتها الدبلوماسية التركية، حسب كتاب «التجربة النهضوية التركية» لصاحبه محمد زاهر جلول، والتي قد تفسّر الحضور المتزايد لتركيا في النقاشات الداخلية للدول العربية، تلك التي تقول بضرورة إيلاء «أهمية خاصة لعلاقات تركيا بالدول الإسلامية»، وبذلها كافة الجهود لزيادة التعاون الثنائي مع هذه الدول، «ودفع منظمة التعاون الإسلامي للوصول بها إلى بنية دينامية تأخذ زمام المبادرة».

شارك برأيك