حكومة تصريف «الأقدار» – اليوم 24

حكومة تصريف «الأقدار»

  • «خطايا» بوعشرين!

  • «فصوليا» السلط…!

بعد سنة ونصف يتأكد أن حكومة السيد العثماني أصيبت بأعراض الشيخوخة المبكرة، بحيث تكاد الحكومة الحالية تكون الحكومة الأكثر غرابة في تاريخ الحكومات المغربية، والتي تفوق ملامحها وندوبها/تعديلاتها كل التوقعات؛ علما أنها منذ بدايتها يصدق عليها المثل المغربي الدارج الفصيح “من الخيمة خرج مايل”، وما تشهده من تعديلات “قيصرية” هو الثمن الطبيعي لشهور من “البلوكاج” الشهير. ما شهدته الحكومة نهاية الأسبوع الماضي يستحق ثلاث ملاحظات على الأقل.

الملاحظة الأولى: تتعلق بتعيين وزير جديد للاقتصاد والمالية، هذا التعيين حمل مسؤولا بنكيا إلى قلب الآلة الاقتصادية والمالية للسلطة التنفيذية، لا يتعلق الأمر بالتأكيد بكفاءة الوزير الجديد، لكن الأمر يرتبط بمدلول تعيين رجل تقني في منصب سياسي حساس، يتم عبره تنزيل الاختيارات الاقتصادية للحكومة، وهي اختيارات في كل الدول الديمقراطية تعتبر انعكاسا لرؤية سياسية واجتماعية واقتصادية، فالقانون المالي يعتبر الوسيلة القانونية التي تتحول عبرها القرارات الاقتصادية إلى إجراءات ملموسة وملزمة لكل الأطراف، وتسمية الوزارة بوزارة الاقتصاد والمالية، ليس من باب العبث أو الصدفة، إذ إن الجانب الاقتصادي بأبعاده السياسية والاجتماعية يحظى بالأولوية أو هكذا يفترض على الأقل، فالسياسة الاقتصادية يتم تصريفها عبر محورين رئيسيين هما السياسة النقدية والسياسة المالية، فالجانب المالي تابع للجانب الاقتصادي، وهو فقط وسيلة من وسائله، هنا يصبح تعيين إطار بنكي في منصب بهذه الحساسية السياسية، دليل آخر على إرادة قتل السياسة والانتصار مجددا للمقاربة التقنية التي تمثل اختيارا ثابتا في تدبير الشأن العام ببلادنا، إذ يشهد الواقع أن ما يتم على مستوى الاختيارات الاقتصادية ببلادنا، ليس سوى امتثال نموذجي لتعليمات وتوصيات المؤسسات المالية الدولية، فالمغرب يعيش تقويما هيكليا غير معلن منذ الحكومة السابقة.

الملاحظة الثانية: تتعلق بالانتماء السياسي للوزير الجديد، إذ إن الأمر لم يتطلب سوى “تغريدة” لرئيس الحكومة يقول فيها إن أغلبيته لا علاقة لها بموضوع تعيين الوزير الذي توصل بسيرته الذاتية من رئيس الأحرار، هكذا ببساطة وكأن الأمر يتعلق بمكتب للتشغيل، بينما يعلم الجميع أن الرجل ليس له انتماء حزبي، وبذلك تتوسع القطاعات السيادية في ظل دستور 2011، الذي تقوم “فرضياته” على قيام سلطة تنفيذية حقيقية تقوم على مبدأ فصل السلط وتعاونها وتوازنها، وعلى المحاسبة في مقابل المسؤولية، وهو ما لا يمكن تحقيقه مع وزراء يتم استقدامهم رأسا من رئاسة مجالس إدارية إلى أهم المناصب السياسية في البلاد، فهل بعد ذلك يحق لنا التباكي على وضعية السياسة والأحزاب والانتخابات والمشاركة السياسية؟

الملاحظة الثالثة: تتعلق بحذف كتابة الدولة في الماء، لا يتعلق الأمر هنا فقط بموقع الأغلبية والتحالف الحكومي في هكذا قرار، حيث أكد الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية المعني بحقيبة الماء، أن حزبه لم يعلم بهذا الحذف سوى عبر وسائل الإعلام، وأن اقتراح رئيس الحكومة بحذف القطاع هو قرار شخصي لم يكن موضوع تداول، لا داخل الأغلبية ولا مع الحزب المعني، علما أن إحداث قطاع حكومي أو حذفه، يدخل في صلب الهندسة الحكومية، هذه الهندسة توضع أساسا كشكل تنظيمي لتنفيذ البرنامج الحكومي الذي يشكل تعاقدا يشمل الولاية الانتخابية ككل، وأي مراجعة لهذه الهندسة يجب أن تكون موضوع نقاش داخل الأغلبية، فإذا كان حذف مصلحة أو قسم أو مديرية يستلزم نقاشا معمقا، فكيف يمكن قبول حذف كتابة دولة بجرة قلم؟ بل إن ما يثير الاستغراب أكثر في هذه الحالة هو تبرير حذف القطاع بأهمية وأولوية قطاع الماء في بلادنا، بينما الأمر السليم هو أن إحداث قطاع حكومي يختص بموضوع الماء أو أي موضوع آخر، هو ما يجسد فعليا أولوية هذا القطاع، وإذا كان الأمر عكس ذلك، فإن رئيس الحكومة ملزم بتقديم البيانات والمعلومات الكافية على الأقل احتراما للرأي العام إن لم يكن يعير اهتماما لحلفائه، يوضح عبرها كيف تغيرت الرؤية لهذا القطاع الحيوي في ظرف سنة ونصف.

هذه بعض الملاحظات التي تؤكد بأن حكومة السيد العثماني ليست حتى حكومة تصريف أعمال، بل مجرد حكومة لتصريف “الأقدار” التي في كل مرة تكون مضطرة لتبريرها بكل ما يرمز إليه ذلك من عبثية توطن الشك بدل اليقين.

 

شارك برأيك

Kamal

ليس دليل إرادة قتل السياسة ، بل مجرد تعرية لنوع الديمقراطية المتبعة

إضافة رد