في جدوى إجبارية الخدمة العسكرية – اليوم 24

في جدوى إجبارية الخدمة العسكرية

  • بين العدمية والأمل وخطاب الحقيقة

  • من أفسد الدخول المدرسي

أكاد أجزم ألا أحد اليوم يعرف الدوافع التي دعت الدولة للعودة إلى إقرار إجبارية الخدمة العسكرية، بما في ذلك الحكومة نفسها، فباستثناء ما ورد في خطاب ثورة الملك والشعب، فالرأي العام لا يعرف شيئا في الموضوع.

دستوريا، يعتبر الشأن العسكري اختصاصا حصريا لرئيس الدولة، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، وفرض إجبارية الخدمة العسكرية، هو جزء من هذا الاختصاص، وهو يخضع لتقدير ملكي، قد لا تتوفر عناصره ومعطياته للجميع، وقد تتحفظ الدولة عن البوح بالدواعي، لاعتبارات استراتيجية تتعلق  برؤيتها الاستشرافية، ومقتضيات مواجهة تحديات ما أو استباق مخاطر  مفترضة.

بعض السياسيين والإعلاميين والمحللين، توقفوا كثيرا على شكليات قانونية ودستورية تهم جهة إصدار القانون، وتوقيت وصوله إلى أعضاء الحكومة، وطابعه السري والاستعجالي. لكن القضية أكبر من هذه الشكليات، لأنها تتعلق بسؤال الجدوى من عودة إجبارية الخدمة العسكرية.

ثمة في التقدير ثلاث قراءات محتملة في الجواب عن هذا السؤال:

الأولى تقرأ القانون من بوابة المخاطر المحتملة التي يمكن أن يواجهها المغرب، والحاجة إلى استباقها بتوسيع الخدمة العسكرية في صفوف الشباب، وخلق جاهزية عسكرية للدفاع عن الوحدة الترابية. مؤشرات هذه القراءة، يمكن استمدادها من المخاطر التي تعرض لها المغرب في السنوات الماضية، من جراء الاستفزازات غير المسبوقة التي اقترفتها جبهة البوليساريو بدعم جزائري داخل الجدار العازل، وإقدامها على توطين بنيات عسكرية وإدارية بها، لتغيير الواقع على الأرض .

القراءة الثانية،  تلتقط بعض ما ورد في الخطاب الملكي، وتربط عودة إجبارية الخدمة العسكرية، باستشعار ضرورة حيوية لانخراط المؤسسة العسكرية في وظائف تربوية، إما للرفع من مستوى الوطنية في صفوف الشباب، أو للقيام بدور  ما في رتق منظومة القيم التي تعرضت لشروخ كبيرة، أو لتحصين الشباب من التطرف.

القراءة الثالثة، تقترب من سابقتها في الشق التكويني الذي يعنى بتمليك مهارات وإكساب قدرات، لكنها تختلف معها في المآل، إذ تميل هذه القراءة لتثمين دور الخدمة العسكرية في الرفع من قدرات الشباب، وتأهيلهم للاندماج السريع في سوق الشغل.

هذه ثلاث قراءات محتملة لفهم الجدوى من عودة إجبارية الخدمة العسكرية، وهي في الجوهر تعكس تحديين متناقضين، الأول الذي يرتبط بحاجات الدفاع الوطني، يرسم معادلة حاجة الدولة للمجتمع، أما الثاني، الذي يرتبط بوظيفة ودور المؤسسة العسكرية تجاه الشباب، فيرسم معادلة فراغ في مؤسسات المجتمع، وحاجته لمؤسسات أخرى للقيام بوظائف مؤسساته المعطلة.

لحد الآن، لا نرجح أي داع دفع الدولة لمثل هذا القرار، وإن كنا نتمنى أن يكون الأفق هو استجابة لضرورات الدفاع، وإلا فإن معادلة حاجة المجتمع لغير مؤسساته المدنية، في  قضايا التربية والتكوين والتأهيل والاندماج في سوق الشغل، ترسم أفقا  متشائما، يعكس يأس الدولة من إصلاح منظومة التربية والتكوين، وعدم رغبتها أكثر من المجازفة في انتظار ما يمكن أن تؤول إليه الرؤية الاستراتيجية.

ثمة مؤشرات كثيرة على قلق الدولة من مسار إصلاح منظومة التربية والتكوين، منها ما يرتبط بالإخراج الفوري للتعليم الأولي، والمصادقة في المجلس الوزاري على القانون الإطار، والنقد الكثيف في الخطاب الرسمي لمستوى التعليم وتخريجه للعاطلين، وضعف ارتباطه بسوق الشغل.

لكن، مع هذه الهواجس المبررة، نخشى أن تكون عودة إجبارية الخدمة العسكرية ذات علاقة بالجواب عنها، لأن مثل هذا الجواب الذي يعني الطلب على غير مؤسسات المجتمع المدنية، يؤشر على بلوغ الدولة درجة الإحباط في الوظائف التربوية الطبيعية، واضطرارها لتشغيل  أحكام الضرورة لتجاوز السيناريو الأسوأ الذي قد يترتب عن استمرار فشل المنظومة التربوية.

 

شارك برأيك