فرحٌ.. ولكن – اليوم 24

فرحٌ.. ولكن

  • عيوش VS العروي

  • حب في زمن الحَراك

حصل كل شيء بطريقة مفاجئة، كنت مساء الثلاثاء الماضي رفقة صحافية من قناة “الجزيرة الدولية”، ومن بين النقاط التي تحدثنا فيها هي غياب أي مؤشرات دالة حول انفراج في ملف معتقلي حراك الريف، وفجأة بدأت ترِد عليّ مكالمات مخبرة أو مستفسرة عن لائحة بأحد عشر معتقلا سيتم إطلاق سراحهم من سجن “عكاشة”، وحين تأكد الخبر، نسينا أنا والصحافية النقاش، وانخرطنا في فرح طُفولي، تفهمت الصحافية إكراهات اللحظة، واحترمت اضطرابي وشرودي والمكالمات التي لم تنقطع، واكتفت بالقول: “الآن أنت مشغول، نلتقي مرة أخرى قبل أن أغادر، ولكن لا تنسى أني وجه خير عليكم”، بعدها سيبدأ سيل التسريبات، ولن أفشي سرا أن من حسنات ما وقع اكتشافي أن مدير نشر هذه الجريدة “يونس مسكين” يمارس مهنته بشغف إنساني، كان كلما حصل على جديد من مصادره إلا ويسارع بإخباري، لعلمه بارتباطي الوجداني العميق بالمعتقلين، وكأنه كان مصرا على أن يمارس السبق الإنساني قبل السبق الصحافي..

لا أخفيكم سرا أنه حين تأكد أن إطلاق سراح المعتقلين توقف عند العدد 188، تمنيت أن يكون المرتضى إعمراشن من بين المفرج عنهم، وهو ما لم يحصل، المرتضى دليل على حكمة الأسلاف: “سوء الظن من الحزم في زمن الفتن”.. المرتضى كان ضحية حسن ظنه.. كان ذنبه أنه أحرج الفريق المتشدد داخل الدائرة المحتكرة لملف حراك الريف، ممن كانوا يسوقون لهيبة الدولة ولمزاعم الانفصال والأجندات الخارجية، في الوقت الذي كان يعتقد أن “اعتداله” يمكن أن يشكل مخرجا لوضع كان متجها نحو مزيد من التوتر، لم يكن يدري أن “أصحاب الحال والوقت” كان قد حسموا الأمر نحو خيار القبضة “الأمنية” أولا وأخيرا..

في حوار سابق لي كنت قد صرحت، أن لا حل لهذا الملف سوى بتدخل ملكي، يومها وصمني البعض بالاستجداء، وقال آخرون: “إن العفو يكون على المجرمين، وإن إطلاق السراح يجب أن يكون دون قيد أو شرط، مع الاعتذار”، طبعا، كلنا يتمنى هذا السيناريو، لكن هناك فرقا بين الأماني وبين الواقعية، وبين الواقعية وبين الوقوعية، بمعنى أن الإقامة يجب أن تكون في المسافة بين اليوتوبيا وبين الانتهازية، نعرف “خروب” بلدنا، ونعرف أن تدبير ملف حراك الريف بعيد عن الحكومة والبرلمان، وبالتالي فالحل لن يكون سوى بالتقاء موضوعي بين إرادة كل الحراكيين من معتقلين وعائلات وساكنة المنطقة والمتضامنين (أشخاصا وتنظيمات)، وهي إرادة يجب أن تتجسد في مزيد من مواصلة الضغط عبر كل أشكال النضال المدني والترافع الحقوقي داخليا وخارجيا والاحتجاج السلمي، وبين اقتناع “من يهمه الأمر” أن مزيدا من التشدد الأمني وتسخير القضاء لن يفيد أحدا، وليس في مصلحة الجميع، ولن يعمل سوى على مزيد من التأزيم والاحتقان، وفتح المستقبل على المجهول، لذلك أعتقد أن الدولة بحاجة إلى شجاعة تاريخية، من أجل طي هذه الصفحة السيئة، وهذه الشجاعة لكي تكتسب “معقولية”: لا غالب ولا مغلوب، يجب أن تمر من قناة العفو الشامل سواء عبر مجلس وزاري أو عبر تشريع برلماني، عفو شامل لا يفيد إطلاق السراح فقط، بل إسقاط التهم والمتابعات، ولا داعي لشرح الفرق بين العفو الشامل الذي لا يعني مِنّة ولا شفقة، بقدر ما هو تدبير قانوني/حقوقي لتصحيح الأخطاء القضائية أو تدبير الأزمات بما يفتح طريقا للمصالحة الحقيقية، وبين العفو الخاص الذي وإن كان يحدث انفراجات، لكنه غير محصن بضمانات عدم التكرار.. طبعا، هذا لا يعني عدم تثميننا لما حصل، ولكننا نقول إننا نحتاج إلى قرار أكثر رمزية ووقعا، فهيبة الدولة من القرارات الشجاعة والمستقبلية والجريئة، وليس من أوهام التحكم و”ضرب فلان ليخاف علان”.

حاشية على المتن: لاَمَنِي البعض على توظيفي لعبارة “بعض العقلاء المقربين من دوائر صنع القرار”، متذرعين أن لا عاقلا يقبل بالعمل في إطار دولة سلطوية، في اعتقادي أن أي نظام حكم كيفما كانت درجة سلطويته، لا يعدم حكماء، ووقائع التاريخ شاهدة على شخصيات تدخلت لمنع مجازر وقرارات حمقاء، أو حذرت من بطانة فاسدة، أو نصحت، ومنها من توسطت لمنع تفجر الأوضاع بما لا يخدم مصلحة أحد، وقد يكون دافعها في ذلك مصلحة النظام الذي تراه سائرا في طريق لا يخدمه، بل يخدم فئة من داخله تسترزق بالأزمات.

شارك برأيك