ثـمــار المـقـاطـعــــة – اليوم 24

ثـمــار المـقـاطـعــــة

  • تهديدات إرهابية

    في الحدود والمساجد والسجون.. هكذا يلاحق المغرب الإرهاب

  • ناصر بوريطة

    بوريطة يدخل البيت الأبيض من بوابة عداوة ترامب مع ايران

أكثر من أربعة أشهر مرت على انطلاق الحملة الشعبية لمقاطعة منتجات ثلاث شركات كبرى تنتج أو توزع مواد استهلاكية حيوية. فترة باتت كافية لاستخلاص بعض الدروس، وتقييم الثمار التي تحققت عبر هذه المبادرة الشعبية غير المسبوقة في المغرب. وأول ما ينبغي التنبيه إليه، هو أن الأمر يتعلق بسلوك احتجاجي مدني، تطلبه تغييب عدد من المؤسسات الدستورية المكلفة بضبط السوق ومراقبته. حين نقول إن حملة المقاطعة سلوك مدني، فهذا يعني، أولا، أن الأمر يتعلق بحركة احتجاجية محدودة في الزمن، وهذا هو المعنى الأصلي لكلمة حملة، ثم يعني أننا بصدد فعل مدني مواطناتي، هدفه تحجيم سوق غير منضبطة، وتحقيق مكاسب اقتصادية للمواطن الذي وصفته الحكومة، في علاقة بهذه الحملة، بالمستهلك.

فبعد أكثر من أربعة أشهر، يمكن أن نجزم بأن الأطراف المعنية بهذا السلوك الاحتجاجي استوعبت الدرس في نهاية المطاف، بعد ردود الفعل المتشنجة والمستفزة من جانب كل من الحكومة والشركات المعنية. من جانب السلطات، لاحظنا كيف جرى التراجع بسرعة عن التلويح المبكر بعصا السلطة، حيث كانت وزارة الداخلية قد تحركت لمحاولة تصدر المشهد في الأسابيع الأولى لانطلاق الحملة، خاصة قبيل شهر رمضان. حكومة سعد الدين العثماني عادت لتعدّل من سلوكها تجاه الحملة، حيث اختار رئيسها منصة البرلمان لإبداء التفهم والاحترام تجاه الحملة ومطالبها. وباستثناء الخروج غير الموفق لوزير الحكامة، لحسن الداودي، إلى جانب عمال شركة سنطرال الذين نزلوا إلى الشارع للتعبير عن مخاوفهم، وهو الخروج الذي كاد يكلف الداودي مقعده الحكومي، لم نشهد أي بروز قوي للتعاطي السلطوي مع هذه الحملة بعد ذلك.

أهم ما أثمرته المقاطعة، وينبغي تسجيله في جدول إيجابياتها، هو التحول الذي عرفه سلوك الشركات التي شملتها، وإن بتفاوت من شركة إلى أخرى. فمنذ يوم الجمعة الماضي، يستأثر خبر قنينة جديدة من المياه المعدنية، التي تسوقها شركة «سيدي علي»، بنقاش قسم من شبكات التواصل الاجتماعي. صورة لم يتسنَّ لي التأكد من صحتها، تُظهر قنينة من حجم جديد، لتران بدل لتر ونصف، بسعر ستة دراهم، أحيت نقاش مقاطعة شركة مريم بنصالح بعد خفوته أخيرا. «والماس» كانت قد تميزت في بدايات الحملة بإصدارها بيانا صحافيا، وإن كان متأخرا، إلا أنه اختلف عن سلوك باقي المعنيين بالمقاطعة، بتجنب التهجم على المقاطعين أو التشكيك في نواياهم. الشركة بادرت منذ ذلك الحين إلى القيام بخطوات تسويقية، تتمثل أساسا في تخفيضات في الأسعار، وإن كانت مؤقتة، وإنتاج قنينات مياه بهوية تسويقية جديدة، وهو ما يعني دخول رأي المستهلك-المواطن شبكة حسابات فاعل اقتصادي خاص ظل يطل على المجتمع من برج عال.

من جانبها، شركة «أفريقيا» التي يملكها الوزير عزيز أخنوش، وتهيمن على حصة من سوق توزيع المحروقات في المغرب، باتت منذ فترة تقدم أقل الأسعار مقارنة بباقي محطات التوزيع، وذلك في جل مناطق المغرب. كما بات الزبون يصادف في محطات «أفريقيا» منشورات ومطويات أنيقة تدعوه إلى استهلاك منتجاتها مقابل «هدايا». خطوة وإن لم تكن «حقيقية»، إلا أنها تؤشر على بداية إدماج المستهلك-المواطن في حسابات الشركة. فقد صادفت شخصيا، في توقف اضطراري بمحطة «أفريقيا» قرب مدينة برشيد على الطريق السيار، مطويات توزع على الزبناء تعد بإهدائهم قنينة ماء مقابل استهلاك أي منتَج في المطعم، أو ما يعادل 30 درهما من المنتجات الطاقية في حال تعبئة خزان السيارة بالوقود، وحين سألت عن حقيقة ما تتضمنه، وجدت المستخدمين محرجين لأن تلك «الهدايا» غير متوفرة بالفعل.

شركة «سنطرال»، المتخصصة في إنتاج وتوزيع الحليب ومشتقاته، تقدّم، بدورها، مدفوعة بالشركة الفرنسية الأم، تجربة غير مسبوقة في تعاطي الفاعل الاقتصادي مع المستهلك المغربي. فبعد عثرات الأيام الأولى، حيث تصدى وزير الفلاحة لحملة مقاطعة حليب «سنطرال» بأسلوبه التواصلي المستفز بالنظر إلى خطابه المغرق في الرسمية والتعالي، وبعد كبوة «التخوين» التي سقط فيها أحد مسؤولي الشركة، دخلت هذه الأخيرة، عقب مجيء المدير العام لشركة «دانون» الفرنسية، في حملة تواصلية ليس لها مثيل في المغرب. لقاءات مفتوحة مع مئات المستهلكين، ومنصات تواصلية رقمية تخاطب آلاف المقاطعين باللغة نفسها التي تعبؤوا بها ضد منتجات «سنطرال»، ووعود جديرة بالاحترام، في حال تنفيذها، تتضمن تخفيضا للأسعار، ومراجعة شاملة للنموذج الاقتصادي بشكل يستدمج رأي المستهلك-المواطن.

الخلاصة، من هذه الأجوبة المتفاوتة التي قدمها المعنيون بحملة المقاطعة، تقول إن اللجوء إلى أدوات الاحتجاج الشعبي ووسائل الضغط المدني والسلمي، سلاح جديد امتلكه المغاربة وأثبت فعاليته. وفي المقابل، أثبتت هذه التجربة أن التفاعل الإيجابي من جانب السلطات أو الفاعلين الاقتصاديين، بديل ممكن عن الخيارات السلطوية والقمع، دون أن يعني ذلك أي مساس بهيبة هذا الطرف أو مكانة الطرف الآخر.

شارك برأيك