التعاقد… فصول العبث التي لا تنتهي! – اليوم 24

التعاقد… فصول العبث التي لا تنتهي!

  • الديمقراطية أو الطوفان…!

  • المدرسة التعاونية

عرف الأسبوع الماضي اعتصاما كبيرا للمتعاقدين من أطر وزارة التربية الوطنية، وهو بلا شك مجرد مقدمة لسلسلة مقبلة من الاحتجاجات تهدد بتوقف العملية التربوية في عدد كبير من مدارس المملكة. ما يحدث في الحقيقة هو الحصيلة الطبيعية لإجراءات وتدابير تقنية محاسباتية، لا تعرف الواقع ولا تريد أن تقبله، وهي بالنتيجة تجد نفسها عاجزة عن تجاوز ما يطرحه من إشكالات عميقة ستكون لها آثار كبيرة على السلم الاجتماعي الذي يقف أصلا على قشة… الحكومة الحالية تتوسع بشكل غير مسؤول في توظيف الفصل السادس المكرر من النظام الأساسي للوظيفة العمومية، الذي يهم بشكل واضح التعاقد مع الأعوان، حيث يشهد الواقع أن هناك تضخما في اللجوء إلى شركات المناولة بما يجعل تكلفة تشغيل الأعوان كبيرة لا تتلاءم مع طبيعة المهام والوظائف المسندة إليهم، كما تم فيما بعد اعتماد التعاقد مع الخبراء بخصوص الوزراء لتجاوز واقع النظام المؤطر للعمل في الدواوين الوزارية، الذي لم يعد قادرا على استيعاب الأطر العليا سواء من داخل الوظيفة العمومية أو من القطاع الخاص، كل ذلك كان مقبولا رغم ما يثيره من نقاش، لكن أن تحول الحكومة إجراء استثنائيا إلى سياسة عمومية في مجال التوظيف بالوظائف العمومية، فهذا عبث حقيقي بالقطاع العام والأدوار التي من المفترض أن يقوم بها. عندما تقوم الحكومة باختيار التوظيف عن طريق التعاقد، فهي بذلك لا تخفي ارتباكها في طرح الأسباب والدوافع الحقيقية التي تجعلها تفضل هذا “الاختيار” على التوظيف العادي، لكن بالطبع هناك أكثر من جواب عن هذا النهج. أول الأجوبة هو الجملة التقليدية التي تقول: “ليس من المنطقي أن تشغل الدولة الجميع، من يجب أن يشغل هو القطاع الخاص”، وهي جملة فيها نقاش طويل ولا يمكنها أن تصمد أمام الواقع، فالواقع يقول إن نسبة التشغيل في القطاع العمومي وشبه العمومي لا تتجاوز 8 في المائة من السكان النشيطين، بينما يشغل القطاع الخاص أزيد من 90 في المائة، ولأن الأشياء تُعرف بأضدادها، فلا بأس أن نعرف أن المعدل الدولي للتشغيل في القطاع الحكومي هو 30 في المائة، وأن المعدل في الدول الصناعية الكبرى بين 15 و17 في المائة، وهي نسب تظهر أننا بعيدين كل البعد عن النسب التي يجب أن تكون عندنا. وبالأرقام، فعدد الموظفين بالمغرب إذا استثنينا أفراد الجيش والشرطة، فهو لا يتجاوز 583 ألف موظف، وإذا أضفنا أفراد الشرطة والجيش، فإن العدد يتجاوز 800 ألف موظف بقليل، بما يعادل 26 موظفا لكل 1000 نسمة، بينما يبلغ الرقم في تونس التي لا يتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، 700 ألف موظف حكومي. الجواب الآخر الذي تقدمه الحكومة بخصوص التخفيض المستمر من التوظيف في القطاع العمومي – على الرغم من حاجة قطاعات عمومية كثيرة لموارد بشرية ولاستدامة صناديق التقاعد – يرتبط بنسبة كتلة الأجور من الناتج الداخلي الخام، والتي يتوقع أن تبلغ 12 في المائة، بينما هذه النسبة في دولة مثل فرنسا لا تتجاوز 9.5 في المائة. وفي هذا السياق، ترى المؤسسات المالية الدولية أن المغرب يجب أن يخفض نسبة كتلة الأجور، ببساطة هناك طريقتان لفعل ذلك، الأولى هي رفع نسبة الناتج الداخلي الخام وبالنتيجة ستتقلص نسبة كتلة الأجور مقارنة معها، والثانية، هي رمي الصبي مع ماء الغسيل… وهو ما تفعله الحكومة عبر التقليص المستمر من التوظيف في القطاع العمومي، واختيار عبث التعاقد الذي بدأت تظهر آثاره على قطاعات مصيرية مثل التعليم و الصحة.

في الدول الصناعية الكبرى والدول الصاعدة حقا…، المواطنون هم من يبحثون عن التعاقد، وذلك لعدة أسباب، ليس أقلها الفرص التي يتيحها لهم سوق الشغل، فالمواطن عندما يضمن قوت يومه والسكن في ظروف لائقة والتطبيب المجاني وفي شروط إنسانية عالية وتعويضا حقيقيا عن البطالة وتعليم جيد لأبنائه، لا يخاف من التعاقد، بل يصبح مطالبا به. وما يجعل الناس هنا ترفض التعاقد هو ما يؤسس له من  هشاشة اجتماعية ومن ضياع حتمي بعد انتهاء التعاقد أو حتى قبل انتهائه… الأسوأ من كل ذلك، هو عندما نكون أمام مدبرين للشأن العام ممن لا يتورعون في إعمال المغادرة الطوعية وبعدها بسنوات قليلة يقدمون على إعمال التوظيف بالتعاقد ورغم تناقض الإجرائين، فإنه تم تبريرهما بالأسباب نفسها، والنكتة هي عندما يصدر المجلس الأعلى للحسابات بعد سنوات تقريرا يقدم نقدا قاسيا للمغادرة الطوعية، ويكون الموقع عليه هو ذاته الوزير الأول في الحكومة التي قررت تلك المغادرة، وفي عهد الوزير السابق للمالية محمد بوسعيد، الذي كان ساعتها وزيرا للوظيفة العمومية… إنها فصول العبث التي لا تنتهي.

شارك برأيك

خالد

اعتقد ان المغادرة الطوعية كانت من اقتراح الحكومة التي شارك فيها حزب الاستقلال

إضافة رد