الرجا فالله! – اليوم 24

الرجا فالله!

  • السقوط في الشبكة

  • موسم «لغْرامة»!

بين اغتصاب خديجة، واعتقال سعد لمجرد، وإعفاء أفيلال… مرت الصورة سريعا، دون أن تأخذ ما تستحق من اهتمام، رغم أنها صاعقة، تُدمي القلب وتلخص مشكلتنا الحقيقية في هذه البلاد، مع امتهان الكرامة الإنسانية، وغياب العدالة الاجتماعية، واحتقار الطبقات المسحوقة وتمجيد الاحتيال وتبخيس الشغل والتطبيع مع الظلم. إنها صورة عاملي بناء ممددين على الأرض، بلا حراك، بعدما غدرتهما الرافعة التي يقفان عليها في الطابق الثالث من البناية التي يرممانها في القنيطرة بحي “الرجا فالله”. أحدهما مات، والثاني في حالة حرجة و”الرجا فالله”، أما المسؤولون في هذه البلاد فلم يعد يرجى منهم شيء. مواطنان وسط كومة من الرمل والطوب والوسخ، بثياب يعلوها الغبار وأجساد أنهكها البؤس، يسيل منها الدم مختلطا بالتراب… صورة تقول كل شيء عن التفاوت الطبقي في البلاد التي… هذان المنكوبان يمثلان فئة عريضة من المغاربة، تتعاطى لمهن شاقة وخطيرة في القرن الواحد والعشرين، دون أدنى احترام لقواعد السلامة البدنية وتدابير الوقاية من الحوادث، ومصيرهم لا يعني أحدا، رغم أن الجميع يراهم كل يوم معلقين فوق تلك الرافعات الهشة، التي تعرف بـ”السرير”، بِحبال لا تطمئن، في يد الله، “خمسين فالمية يفلتو وخمسين فالمية يطيحو”… ولا أحد يفعل شيئا ليوقف المأساة، لأن الأمر يتعلق بأشخاص في أسفل السلم الاجتماعي، لا حول لهم ولا قوة، يتقاتلون مع قوتهم اليومي، ويحمدون الله إذا عثروا على شغل، مهما كانت خطورته على حياتهم.

في الوقت الذي يراكم المقاولون وسماسرة العقار أموالا طائلة من ورشات البناء، لا يتقاضى هؤلاء البؤساء إلا حفنة دراهم في آخر النهار، لا تكفي حتى لشراء الأدوية التي يحتاجونها لعلاج الأمراض التي يخرجون بها في نهاية كل ورشة، دون ضمان اجتماعي أو تغطية صحية أو تقاعد. مواطنون من الدرجة الثالثة. أسماؤهم غير مسجلة في أي مرفق عمومي، لا تعترف بهم الدولة، ولا يملكون نقابة تدافع عنهم أو ممثلا في البرلمان يتحدث باسمهم أو يدافع عن حقوقهم. إذ لم نسمع يوما أحد البرلمانيين يطالب بتحسين شروط السلامة في ورشات البناء، أو برفع وتقنين أجور هذه الفئة البئيسة من العمال، وتسجيلهم في الضمان الاجتماعي وتمكينهم من التغطية الصحية والتقاعد، رغم أن المسألة لا تحتاج إلا إلى قليل من الجرأة السياسية وتفعيل مبدأ العدالة الاقتصادية والتكافل الاجتماعي، يكفي أن نضع ضريبة على أرباح سماسرة العقار والمستثمرين في البناء كي نمول صندوقا يضمن حقوق هاته الفئة المظلومة في التقاعد والتغطية الصحية والسلامة البدنية. المشكلة أن بين البرلمانيين والوزراء من يملكون مقاولات بناء ومن يستثمرون في العقار والإعمار وليس بينهم واحدٌ يؤجر عضلاته في ورشة بناء، كي يدافع عن زملائه، والكل يهتم بمصلحته قبل كل شيء. إذا ظهر السبب بطل العجب. عندما جرى الحديث عن حذف تقاعد البرلمانيين تعاضد هؤلاء ككتلة واحدة لحماية معاشاتهم، انتفت الحدود بين الأغلبية والمعارضة وبين اليسار واليمين والوسط، الكل تجند مثل رجل واحد للدفاع عن المصلحة المشتركة، ماعدا أصوات قليلة غردت خارج السرب. الصورة واضحة، ما حك جلدك مثل ظفرك، و”سعدات اللي عندو مو فالعرس”.

عامل البناء في الدول التي تحترم مواطنيها يعامل مثل المهندس. يتقاضى أجرا محترما، ويشتغل في ظروف توفر له السلامة البدنية، والكرامة الإنسانية، وعندما ينهي عمله يخلع ملابسه وقفازاته ويذهب لأرقى المطاعم أو أفخم المحلات كي يسهر دون أَي عقدة نقص، مع سائر خلق الله. أما في “أجمل بلد في العالم”، إذا كنت تشتغل بعضلاتك في أوراش البناء، يحكم عليك أن تعيش على الهامش، مع أسرتك في الكاريانات وأحياء الصفيح، بجوار المنبوذين والمنحرفين والمجرمين، وأن تشرب قهوتك في محلات حقيرة لا يجلس فيها إلا أمثالك من المهمشين وأن تأكل واقفا علبة سردين وقنينة مونادا وتشتغل مثل بغل، ثم وتعود إلى بيتك في المساء قتيلا من التعب، طبعا، إذا لم تسقط من أعلى إحدى البنايات وترتاح من حياتك التعيسة إلى الأبد.

شارك برأيك