حب في زمن الحَراك – اليوم 24

حب في زمن الحَراك

  • ساعة حمادي

  • خاشقجيلوجي…

«المشهد الأول: محمد المجاوي يقرر في لحظة “عشق” أن يوقع المحاضر التي قدمت له، تحمل صكوك اتهام خطيرة، قد تجره لسنوات سجن طويلة، كان ذلك في الصيف الماضي، لم يقرأ ما هو مدون في محاضر طبخت على نار لم “تنطفئ” يوما.. لم تكن عيناه تبصران شيئا، غير صور زوجته “رشيدة” وأبنائه “لويزة” و”دينا”، فبمجرد ما تم تهديده بإحضار “قرر” عينه، حتى انهارت مقاومة الروح، بعد ما صمدت مقاومة الجسد الذي بالكاد يحمله.. فذاكرة الريف لم تبارحها حتى اليوم صور عام “إقبارن” (1958/ 1959)، التي حافظت عليها الرواية الشفهية، وجعلتها جزءا، أساسا، من الذاكرة الجمعية، ذلك العام الذي كان الريفيون يخبئون نساءهم في الخنادق، وبعضها موروث من حقبة الحرب التحريرية الخطابية، مخافة تعرضهن للاغتصاب أمام تقدم قوات ولي العهد/أوفقير.. المجاوي، الذي عاش تراجيديا ريفية أخرى سنة 1984 لم يكن يبصر ساعتها سوى مشاهد اقتحام المنازل، ولم يكن يسمع سوى أزيز الرصاص.. كان تحت تأثير 1984 وهو في 2017.. سافر في الزمن نحو الخلف.. الذين جربوا بعضا مما جربه “سي محمد” يدركون أن أسوأ السيناريوهات هي التي تقفز للواجهة.. وقع المجاوي على محاضر باطلة ستشكل جزءا من صك “إدانته” لاحقا.. لكي يحمي رشيدة ولويزة ودينا.. لذلك سيقول لزوجته في أول اتصال بينهما بعد الاعتقال: “وقعت على ما سيقودني للمقصلة، لأني أحبك”.. في الحسيمة يعرفون المجاوي مناضلا، فآن لهم أن يعرفوه عاشقا.

المشهد الثاني: بعد صدور الأحكام، كان حظ “وسيم البوستاتي” يقوده لعشرين سنة سجنا نافذة.. وأنا أتابع بعضا من تغطيات المواقع الإلكترونية لمسيرة الرباط المنددة بالأحكام والمطالبة بالإفراج عن المعتقلين، كان من أقوى الفيديوهات التي شاهدتها تلك المتعلقة بـ”بشرى” خطيبة وسيم، شابة ريفية في كامل اعتدادها بالنفس، وبلغة حاسمة لا تخفي مخارج حروفها تلك اللكنة الريفية المحببة، تقول أمام الكاميرا بنظرات “حادة” إنها ستنتظر وسيم حتى ولو حكموا عليه بالمؤبد، وإن هذا الحكم لن يغير شيئا من اختيارها له شريكا في مصير مشترك… تفتخر بوسيم الذي رفع رأسها عاليا.. وسيم الذي يقضي “أزهى” سنوات شبابه فداء للريف الذي حمله معه وهو في زنزانة بالدار البيضاء، بعيدا عن تربته المضمخة بحكايا المقاومة والصمود.. في لحظة بوح استثنائية تصرح بشرى: “إنه ليس الحب، بل أكثر من الحب”، لم أعرف وسيم شخصيا، ولكني أتذكر بشرى وهي تبقى لساعات أمام سجن عكاشة أثناء الزيارة الأسبوعية آملة أن يسمحوا لها بزيارة خطيبها دون جدوى.. أتذكر دموعها في أول جلسة من الجلسات الماراطونية للمحاكمة، كنا أمام باب محكمة الاستئناف بالبيضاء في وقفة تضامنية، تقدمت مني امرأة متقدمة في السن، وشابة في مقتبل عمرها، قدمت الفتاة نفسها على أنها خطيبة وسيم وتلك أمه، وسألتني إن كان ثمة طريقة لكي تدخل قاعة المحكمة، فقد كانوا يسمحون بدخول فرد واحد من العائلة فقط في البداية، كان السؤال مباشرا، ولم يكن ثمة جواب عندي سوى العجز.. لكن السماء كانت رحيمة يومها، فسمحوا بدخول الجميع تحت حماية كاميرات القنوات الأجنبية.. قبل أن يعودوا في الجلسات التي بعدها للمنع، بل وطلاء القفص الزجاجي حتى يمنعوا مجرد تبادل النظرات بين أم وابنها، وشابة وحبيبها.. يقولون إن الريف محافظ، أنا شاهدت الريف عاشقا لا محافظا.

المشهد الثالث: في الوقت الذي كان شاب من حي سيدي عابد بالحسيمة يهتف في الجموع بعد استشهاد محسن فكري، وهي تردد وراءه لازمة “جينا واحتجينا/من كل مدينة جينا/والكرامة لي بغينا/والمخزن يقمع فينا)، لازمة ستتحول النشيد “رسمي” للاحتجاج.. في التوقيت نفسه، كانت شابة تشترك معه في الانتماء سابقا إلى حركة عشرين فبراير، يحملها المتظاهرون أمام البرلمان في العاصمة، لكي تقدم الكلمة الختامية لمسيرة منددة بذلك القتل التراجيدي، ولازال التأريخ “الرقمي” يحتفظ بصرختها: “لكن، شكون مول الباطو؟”.. لم يكن يعرف صاحب ذلك النشيد ولا صاحبة تلك الصرخة أن كيمياء غريبة ستنسج خيوطها بألوان قوس قزح.. كيمياء ستفضحها تلك النظرات المختلسة في قاعة المحكمة، التي تراوغ كاميرات المراقبة و”صرامة” البوليس الذي يحيط بالقفص الزجاجي، وحتى “وقار” المحكمة.. كان بحث أحدهما عن الآخر بمجرد إدخال المعتقلين ذلك القفص ينتزع من بعض المحامين والمحاميات ممن يعرفون الحكاية ابتسامات متواطئة وسط كل تلك التراجيديا.. ما بين “جينا واحتجينا” و”شكون مول الباطو”، كان الحب النبيل يُقوض خرافة الانفصال. وتلك “بشرى” “سارة” في إمكان دولة “رشيدة” مستقبلا.

حرروا الوطن.. لنحبه أكثر.. فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.. بل بالحب كذلك.

الحسيمة ذات نوستالجيا عاشقة، في مقهى قريبا من طاولة يجلس فيها شرطي بزيه الرسمي شاردا.. ربما حتى هو في لحظة حنين لامرأة.

شارك برأيك