حماقات السلوك البشري.. – اليوم 24

حماقات السلوك البشري..

  • إعلام الغاب..

  • تلك القنطرة بسيدي سليمان..

في مرحلة عمرية سابقة، حين كنت أتابع أخبار حوادث السير وما يرافقها من أحزان وآلام وأرى بعضها تُنقل على التلفاز، كنت أردد مع “جماعة المرددين” أن السبب الرئيس فيها هو الحالة المزرية للطرق وتنصل الدولة من واجباتها في شق الطرقات ووضع علامات التشوير وتوسيع المسالك وغيرها. وفي مرحلة لاحقة، بدأت أصادف تقارير لوزارة النقل تقول إن السبب الرئيس في حوادث السير هو السلوك البشري، وظللت مشككا في ذلك. اعتبرت أن من مصلحة الوزارة أن تقول إن المشكلة تكمن في ما هو بشري، وليس في الطرقات التي تتحمل مسؤولية مدها وتجهيزها.

كنت أتسمر في مكاني فزعا حين يقوم سائق سيارة أجرة أو حافلة بتجاوز سيارة أخرى بشكل مخيف  وغير قانوني تماما، لكن كنت أعتبر أن الموت يأتي من مكان آخر. كنت أحاول إيجاد مخرج ما يجعل الوزارة ومعها الدولة تتحمل مسؤولية المآثم وسرادق العزاء التي تُقام لضحايا حرب الطرقات في كل مكان. حين كبرت أكثر وتعلمت السياقة وصرت أتنقل بين مدن بعيدة من حين لآخر، كلما سمحت الظروف، وجدت أن الدولة فعلا تتحمل المسؤولية، لكن خارج الطرقات وليس داخلها.

ما يقع في الطرقات سببه الأول السلوك البشري الأحمق، والذي يفهم “القدر والمكتوب” بطريقة لا مثيل لها في مجتمعات الأرض. يفهم القدر على أنه تجاوز صف من السيارات والشاحنات والحافلات والخط متصل، فيما السيارات قادمة من الاتجاه المعاكس بسرعة قاتلة. يقود السيارة بتفسير انتحاري لعبارة “الحياة والموت بيد الله”. نعم، كل شيء بيد الله. لكن حين تقتل روحا ظلما وتهورا، فالله الذي تعبده وتفهم دينه بهذه الطريقة الكارثية، هو الإله ذاته الذي يجرّم قتل الأرواح، ويعاقب عليه. وفي الغالب، لن يكون سعيك مشكورا بهذه الطريقة.

ثم هل يعقل أن يقود أعوان الشرطة حربا مع سائقين للدراجات النارية، مثلا، من أجل ارتداء خوذة الرأس؟؟ في الأخير، رأس من تحمي تلك الخوذة؟ رأس الشرطي أم رأس السائق؟؟ وكيف يُعقل أن تفرض الدولة قانونا من أجل مصلحة الإنسان ويمانع؟؟ وهناك مثال حزام الأمان بالنسبة إلى أصحاب السيارات ومثال العبور الأفعواني للطرقات بالنسبة إلى الراجلين وغيرها من الأمثلة.

رأيت، سواء وأنا خلف المقود، أو بجانب السائق، حماقات وسلوكيات تخرق كل التوقعات. ولا أشك أن بحوزة القارئ أمثلة عديدة عنها، ربما، أبلغ مما ذكرت. وأعتقد جازما أن الدولة لا تتحمل المسؤولية في هذا النوع من الحوادث. مسؤولية الدولة عاينتها بصفة أقل في بعض المسالك البعيدة والقرى النائية، لكن أساسا، عاينتها خارج الطرقات في مراكز تعليم السياقة ومراكز اختبارات السياقة ومن شهادات الناس.

مرةً كنت مع صديق كان يجتاز الشق التطبيقي من اختبار السياقة، وتعمدّت فتاة، حين جاء دورها في الاختبار، إسقاط وتد (piquet) يمثل وجود سيارة أخرى، ويعني المساس به الرسوب في الاختبار كما هو معلوم. لاحظتُ كيف تعمدت إسقاطه وخرجت بسرعة من السيارة بوجه باسم غير عابئة برسوبها. سألتُ مديرا لمدرسة تعليمية عن سر اتجاهها قصدا للوتد وسبب ابتسامتها العريضة وهي راسبة. قال لي “ليست راسبة، قدمت رشوى لسحب الرخصة دون تعب، فلماذا ستضيّع وقتها في الاختبار ورخصة السياقة بيدها؟! في المساء، ستصلها الرخصة المؤقتة موقعة إلى منزلها”. وحتى إن صح ذلك، فالسلوك البشري يبقى سيد الحماقات المسؤولة عن حرب الطرقات. فمثلا، هذه الفتاة التي أخذت الرخصة بالتحايل، وهي لا تستحقها، حين ستخرج إلى الطريق بسيارتها، ستخرج وهي لا تعرف أن احتمال لقائها بعزرائيل في طريقها مرتفع جدا، والمؤسف أنها قد تحمل معها أبرياء..

شارك برأيك