أزمة دولة أم أزمة مجتمع؟ – اليوم 24

أزمة دولة أم أزمة مجتمع؟

  • بين العدمية والأمل وخطاب الحقيقة

  • من أفسد الدخول المدرسي

صدر هذا الصيف قراران يبدوان في الظاهر متباعدين، لكنهما في العمق، يتحركان من خلفية واحدة، ترمز إلى وجود أزمة في مكان ما، في الدولة أو المجتمع.

الأول، يتعلق بعودة التجنيد الإجباري، والتعليلات التي ارتبطت به، والثاني، يهم إقحام وزارة الداخلية، بمقتضى دورية مشتركة مع وزارة التربية الوطنية، في مراقبة انطلاق السير الدراسي.

والحقيقة، أن وزارة الداخلية لم تكن غائبة عن الشأن التربوي، لكن شكل تدخلها لم يكن ممأسسا، ونتيجة لذلك، كان يجد بعض المقاومة من أطر إدارية تؤمن بالانفصال بين مهام التربية والأمن، إلا ما كان من أدوار تخص تأمين الوسط المدرسي من ظواهر العنف التي لم تستطع مخرجات التربية أن تحد من غلوائها.

البعض، بحسن نية، سارع إلى تثمين هذه الخطوة، بحجة أن الوقت قد حان لإيقاف “السيبة” وضرورة أن تتحمل الدولة مسؤولياتها في ضمان انطلاقة سليمة وفعالة للموسم الدراسي، فضلا عن “التربية” التي يكتسبها المجندون، والكفايات التي يكتسبونها في هذه الفترة، مما سيمكنهم بشكل سريع من الولوج لسوق الشغل.

الرأي الذي يحكم الشك، اعتبر أن الأمر مرتبط بتكتيكات لاحتواء الحراك الشبابي، وأن عقدة الولوج إلى سوق الشغل بالنسبة إلى الشباب لا علاقة لها بمعادلة “التشغيل مرتبط بارتفاع معدلات النمو”، أو معادلة “التشغيل مرتبط بتغيير طبيعة التكوينات”، فطالما ارتفعت نسب النمو دون أن تقع المعجزة في مجال التشغيل، فضلا عن وجود كم هائل من الشباب بتكوينات ملائمة لحاجيات السوق من غير فرص عمل.

في الجانب الأول، المرتبط بالتشغيل، طالما أنّبت الدولة وعاتبت مؤسسات التعليم، وكونها تخرج العاطلين، فيما بعض الحكومات خاصة منها السابقة، أشارت للعطب في النسيج المقاولاتي، وبذلت مجهودا في تغيير التكوينات وملاءمتــــها مع سوق الشغل، لكن بنتائج ومخرجات جد محدودة.

في الجانب الثاني المرتبط بالانضباط والتربية، فقد بذلت مؤسسات التربية والتكوين في العشر سنوات الأخيرة، من غير احتياج لدور الداخلية، جهدا غير مسبوق في تأمين الزمن الدراسي، واليوم، يمكن القول إن “المهمة الوحيدة” التي عرفت نجاحا منقطع النظير على مستوى السياسات التعليمية، هو ما يرتبط بالانضباط.

في المسار الأول، إذا اتبعنا منطق الدولة، فسينتهي الأمر إلى إعدام شُعب الآداب بالكامل، وإبقاء القدر الذي يكفي لتلبية حاجات الإجازات المهنية، في حين لا حديث عن واجبات مفترضة للقطاع العام، ولا للنسيـــــج المقاولات لاستيعــاب متطلبات ارتفاع نسب البطالة.

أما في المسار الثاني، فثمة، نقط استفهام كبيرة عن كثافة الطلب على دور الولاة والعمال في ضبط المدرسة العمومية، مع أنها نجحت بشكل كبير في تأمين الانضباط، وبنسب جد مرتفعة.

التحليل الذي نميل إليه، أن الذي دفع الدولة لإقحام بعض أجهزة الدولة للقيام بوظائف تقوم بها في العادة مؤسسات التربية والتكوين والتأهيل، هو تقديرها لضرورات الأمن، وعدم قدرتها على توقع أدوار الشباب وردود أفعالهم المرتقبة إزاء وضعية اقتصادية واجتماعية تملك الدولة معطياتها أكثر من غيرها.

إذا صح هذا التحليل، فذلك يعني أن سياسات الدولة في تأطير نخب المجتمع قد فشلت في جميع محاورها أو في بعضها، سواء ما تعلق بتشجيع سياسة الفرح (المهرجانات)، أو سياسة التحديث الثقافي الفوقي، أو سياسة إدارة الصراع القيمي (تفجير توترات مجتمعـــــية بخصوص الهوية والقيم)، أو سياسة النفير الديني.

الأزمة حين تكون في المجتمع وتزيد في تعميقها بعض المؤسسات، لا يكون حلها خارج دور حقيقي لنخب المجتمع، وإطلاق الحرية للمبادرة المجتمعية المستقلة، التي تعيد الحيوية للمجتمع، وتعـــــفي مؤسسات الدولــة من كثير من المهام التي يتم إثقالها بها.

شارك برأيك