نسيان العالم.. – اليوم 24

نسيان العالم..

  • كيف تنهار الديكتاتوريات؟

  • مثلث التطرف

من بين كل الاختراعات الكبرى الحالية، هناك اختراع، أكثر طرافة من اختراعات أخرى، يستحق وقفة تأمل. سواء على مستوى الوقت الذي نخصصه لها أو رقم معاملاتها، تتجه ألعاب الفيديو لتصير أول صناعة ثقافية في العالم. ستتفوق هذه الألعاب على الكتاب قريبا، وصارت تتفوق منذ الآن على السينما والموسيقى وفنون أخرى.

أكيد أن البعض سيجادل في ما إذا كان يصح تصنيف ألعاب الفيديو ضمن الصناعة الثقافية. حتى ولو كانت بعض هذه الألعاب على درجة عالية من الجودة الفنية، بعوالم على درجة كبيرة من الابتكار، وحتى لو بدأ بعض الفنانين المعاصرين بالاهتمام بها، لا تعتبر دعامة فنية. يمكنها أن تصير، كذلك، مثل بعض الأفلام التي تستلهم منها أفكارها، مثل “أفاتار”. وأيضا، لأنها، مثل كل عمل فني، تقترح سفرا في عالم متخيل.

إذا صارت نشاطا فنيا مكتمل الأركان، ستؤدي ألعاب الفيديو إلى انزياح مهم في طبيعة الاستهلاك الثقافي. إلى الآن، التعرض للأعمال الفنية ظل يأخذ وقتا محدودا ومعروفا بشكل مسبق، سواء تعلق الأمر بكتاب أو فيلم أو موسيقى، حتى وإن كان بإمكاننا إعادة قراءتها أو سماعها أو رؤيتها أو التوقف لمدة طويلة أمام لوحة فنية أو في معرض أو متحف. مع ألعاب الفيديو سننتقل إلى انشطة يمكن ان تأخذ وقتا غير محدود. فالمستهلك يعتبر فاعلا يمكنه تحديد مدة سفره ويجد فيه متعا جديدة كل مرة. لاشك أن لدينا فكرة صغيرة عن الأمر مع بعض العروض التفاعلية، حيث يشارك المتفرج في صناعة العمل ومدته، ومع بعض المعارض التي تدعو المتفرج إلى أن يجرب تلك الأعمال في حدود أوقات الاشتغال.  غير أن اتجاه الاستهلاك الثقافي إلى مدة غير محددة يجيب عن حاجة ظهرت في العصر الحالي: أوقات الفراغ. تسمح الألعاب الفيديو بملأ أوقات الفراغ التي تنامت بفعل التقدم التكنولوجي وارتفاع أمد الحياة. كان لا بد إذن، أن تظهر هذه الحاجة.

أشكال أخرى للترفيه أخذت المشعل إذن، لملأ هذه الأوقات الجديدة ضمنها الشبكات الاجتماعية التي تشغل وقتا متناميا. في يناير 2018، قضت البشرية مليار سنة على الإنترنت منها 365 مليون سنة على الشبكات الاجتماعية. وكل فرد يخصص في المعدل اليوم أزيد من خمس سنوات من حياته للشبكات الاجتماعية. هذا الوقت ليس فقط، وقت فراغ، وإنما، أيضا، وقتا بديلا عن أنشطة أخرى. فمثلا، يعادل الحيز الزمني الذي نقضيه كل عام في الشبكات الاجتماعية الوقت اللازم لقراءة 200 كتاب أو مشاهدة 500 فيلم.

لا شك أن ما يجري اليوم، لا يجري بالصدفة: فدائما ما نبدع أشكالا جديدة للترفيه في لحظات الأزمة. هكذا، ظهر المسرح الموسيقي في الثلاثينات. واليوم، مرة أخرى، يخفي الترفيه خوفنا من العالم المقبل. إلا أن يضع الفن حدا لعالم متشرذم ويساعدنا في اليقظة والتعاون بيننا، وعوض أن ننسى الواقعي بالمتخيل، على أن نحول حيواتنا إلى أعمال فنية.

شارك برأيك