ابتزاز ملك – اليوم 24

ابتزاز ملك

  • الخلفي والعثماني

    البيجيدي.. ضربات خصومه تقوّي لحمته

  • مولاي حفيظ العلمي

    مولاي حفيظ: التنبيه الملكي واضح وأرفض استغلاله سياسويا

اللغة التي تحدث بها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز تكشف مدى الهوان والضعف الذي وصلت إليه النخب العربية الحاكمة، والتي ما كان لها أن تتجرع كل الإهانات التي تتعرض لها من ترامب، لولا أنها عزلت نفسها عن شعبها وأمتها، وباتت بين المطرقة والسندان. لا شك أن ترامب يبتز الملك كأي تاجر جشع يعشق المال، ويُذكّر سلوكه السياسي العالم بعصابات الكابوي، لذلك لا غرابة أن يساوم الملك سلمان بالاتفاق المبرم بين هذه الأنظمة وأمريكا: البقاء مقابل المال. ففي تجمع انتخابي بولاية فرجينيا يوم السبت الماضي قال ترامب: «تحدثتُ هذا الصباح مع الملك سلمان، قلت له: لديكم تريليونات الدولارات، ومن دوننا، الله وحده يعلم ماذا سيحدث، ربما لن تكون قادرا على الاحتفاظ بطائراتك، لأن السعودية ستتعرض للهجوم، لكن معنا أنتم في أمان تام، لكننا لا نحصل في المقابل على ما يجب أن نحصل عليه».

لم تستوعب السعودية الصدمة، حتى جاءت تصريحات أكثر إهانة ليس للنظام السعودي فقط بل لكل الأنظمة والشعوب العربية: «قلت للملك نحن نحمي السعودية. ستقولون إنهم أغنياء. وأنا أحب الملك سلمان. لكني قلت له: أيها الملك نحن نحميك، ربما لن تتمكن من البقاء أسبوعين من دوننا، عليك أن تدفع لجيشنا».

قد تكون تصريحات ترامب جزءا من عملية تفاوض تجري على الهواء مباشرة حول قضية حيوية نجهلها، خصوصا بعدما أشارت «الواشنطن بوست» يوم أمس إلى أن مفاوضات جرت بين ترامب والملك سلمان طلب فيها الأخير دعما أمريكيا لحملة عسكرية سرية، لكن ترامب طلب 4 ملايير دولار مقابل ذلك.

نحن أمام درس عملي في كيفية ابتزاز الملوك، وأساس المشكلة أن الملكيات العربية يهمها البقاء أولا وأخيرا مهما كان الثمن، أي الاستمرار في الحكم وفق منظور سلطاني يقوم على احتكار السلطة والثروة والدين، ومن أجل ذلك بنت تحالفات داخلية مع ثلاثة أطراف؛ الأمني والتاجر والمثقف، وتحالفات خارجية مع الغرب (أمريكا في حالة دول الخليج). ومقتضيات هذا الاختيار في الواقع ثلاثة: القمع والتدجين والفساد. القمع بواسطة الأمني، والتدجين بواسطة الفقيه/المثقف/الإعلامي، والإفساد بواسطة المال والمصالح الريعية. ومن نتائج ذلك أن شرعية ومقبولية هذه الأنظمة في تآكل مستمر، ما يجعلها تشعر بالخوف الدائم، وتختار الدخول في مواجهة مستمرة مع كل من يرفع صوته مطالبا بالإصلاح.

لكنها لم تنتبه إلى حقيقة أن رغبتها في البقاء دون إصلاح جذري حوّلها، مع الوقت، إلى رهينة لدى حلفائها، سواء حلفاء الداخل أو حلفاء الخارج، والدليل على ذلك أنها غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها، فهي قد تعد بالإصلاحات في لحظة، لكنها سرعان ما تتراجع عن ذلك، تحت ضغط حلفائها الذين صنعتهم بعيدا عن الشعوب.

من هنا نفهم لماذا يبدو النظام السعودي، مثلا، عاجزا عن الردّ على ترامب، ليس لأن هذا الأخير تاجر يبحث عن الربح، أو رجل غير دبلوماسي كما يقال، ولكن لأنه يساوم علنا.. إنه يفضحهم ويعرّيهم أمام شعوبهم: «أيها الملك نحن نحميك، ومن دوننا لن تتمكن من البقاء أسبوعين»، إنها عبارات قاسية وموجعة وفظة، لكنها الحقيقة، لذلك هي مؤلمة.

والمؤلم أكثر أن هذه الأنظمة ليس لديها خيار، بعدما تحوّلت إلى رهينة لدى حلفائها. لذلك، مُقابل بقائها الاستبدادي ستتجرع إهانات ترامب وإسرائيل وكل عربيد قادم. وإلا كيف يمكن للملك سلمان وولي عهده أن يواجها ترامب ويرفضا ابتزازه إياهما، فيما الأسرة الحاكمة مهزوزة بسبب طمع الملك سلمان في توريث الحكم لابنه، والنخب الإصلاحية داخل السجون لمجرد أنها اعترضت على ابنه وليا للعهد، حيث عمّقت قراراته الانقسام داخل النظام وفي المجتمع، وبات خائفا ممن هم داخل القصر وخارجه. لقد رهنوا أنفسهم، لذلك سيكون ترامب أحمق فعلا إن لم يبتز الملك.

شارك برأيك