المظهر والمخبر أو الظاهر والباطن، أي علاقة؟ – اليوم 24

المظهر والمخبر أو الظاهر والباطن، أي علاقة؟

  • الهجرة: اضطرار اقتصادي أم بحث عن المواطنة؟

فلكل شيء مظهر ومخبر. وكثيرا ما يُوظَّف الظاهر لإخفاء حقيقة الباطن، أو ليكون غطاء ماكرا لتمرير أشياء بذاتها، أو سياسات معينة من قبل دولة ما، أو مؤسساتها. فبعض الدول تُظهر حكوماتها، مثلا، صورا وردية للمشاريع التي تعلنها، أو تَعِد بها عموم الشعب، وقد تكون غير صادقة فيما أعلنته، وغير وفية لمواعيد الإنجاز المعلنة. ويعلم الجميع أن هذا ينطبق على كثير من مشاريع مغربية، قدمتها وسائل الإعلام الحكومية بأنها جامعة المعايير وكاملة الأوصاف، وأنها ستجعل مستقبل المغاربة زاهرا، بل ستجعل دولتهم  في مصاف ما يسمى “الدول الصاعدة”.

وكذلك سلوك الأحزاب أيضا، وبخاصة عند اقتراب “مواسم” الانتخابات. حيث لا تتردد في طلب الفوز من الناخبين، قصد قيادة مرحلة ما بعد الانتخابات، لتحقيق طموحاتهم إلى العيش الكريم في أمن اجتماعي وسياسي آمن، بعبارات ظاهرها نعيم، أما مخبرها قد لا يتجاوز ما اعتادوا عليه من حيل اصطياد أصوات الناخبين، قبل أن يتم نسيانهم، إلى أن يحين موعد استحقاق 
آخر فتعود حليمة إلى عادتها القديمة.

غير أن أصباغ التحايل والديماغوجيا، واللغة المنمقة سرعان ما ينكشف مخبرها. وتحضرني بالمناسبة حكاية شعبية تحيلنا إلى فشل أخلاق المظاهر والتحايل، على الرغم من المبالغة في تلميعها. تقول الحكاية: إن شخصا اشترى حمارا لونه أبيض، تبدو عليه ملامح الصحى الجيدة. وأثناء قيادته إلى إسطبله من قبل مالكه الجديد، تهاطلت زخات مطرية. وفوجئ المالك بعد ذلك أن الحمار أسود اللون وليس أبيض، فقد فضح المطر أصباغ التحايل التي بيع بها. وفي اليوم الموالي أضحى الحمار هزيلا، فقد زال، كذلك، تأثير حقن التقوية التي أعطي قبل لحظة بيعه.

ومثال الحمار ينطبق على  مشاريع تعلن في دول نامية كثيرة منها المغرب، وتقدمها وسائل إعلام حكومية بأنها جامعة المعايير وكاملة الأوصاف، وأنها ستجعل مستقبل المغاربة زاهرا، بل ستجعل دولتهم  في مصاف ما يسمى “الدول الصاعدة”، قبل أن يكتشف المغاربة أن ما تم تسويقه لا يختلف كثيرا في مضمونه عن قصة الحمار الأبيض.

ونسجل أن سياسة التحايل “تنتعش” أكثر في ظل الأنظمة الشمولية، والأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية. لكن، سيقل أثرها، وقد تختفي بالكلية،  كلما سادت الممارسة الفعلية للديمقراطية، وشيوع ثقافة المواطنة في ظل احترام القانون وتطبيقه، وفقا للنظام العام للمجتمع، المتفق عليه، أو المتوافق بشأنه. وإذا غاب النظام، فإن الفوضى غير الخلاقة ستسود، وأن الفساد سينتشر، ولن يتم التخلص منه بالخطب الرنانة والوعود البراقة.

ونعلم أن النظام العام لا يعطي ثماره بدون تنظيم محكم لوظائفه، وأهدافه، وغاياته. والتنظيم حينما ينبعث من المجتمع ذاته، وتكون له قابلية التطبيق على أرض الواقع، يكون أساسا للتخطيط الناجع، المتسامي عن المزاجية الشخصية وسياسة المظاهر المؤبّدة للبقاء في العالم الثالث، وفي “حصن” الدول النامية بلا نمو.

مما لا شك فيه، إن النظام المضاد للفوضى، والتنظيم المعادي للعشوائية وللصدفة، يستلزمان وجود الحرية. فأي مجتمع لا تسوده الحرية لن يكون مجتمعا فاعلا، ولا تتفاعل مكوناته مع نظمها وخططها، ويعجز بالتجربة والبرهان على ابتكار الحلول الناجعة لقضاياه، ولمشكلاته الطارئة. كما أن وضع عوائق أمام ممارسة الحرية، أو منعها، تحت أي ذريعة كانت، تجعل الدولة دولة فاشلة، مهما تكن قوة سلطتها وبطشها. ويعيش المجتمع في توجسات ومخاوف دائمة، تحول دون التوجه نحو المستقبل المنشود باطمئنان وثقة.

نستخلص من هذا كله أن الدولة التي لها نظام اجتماعي أصيل متوافق عليه، وتنظيم يعمل بمنهجية التخطيط المحكم، وتسوده الحرية الضامنة لحقوق المواطنة، لا يمكن أن يكون بين مظاهره ومخابره بون شاسع، إلا في بعض الجزيئات الهامشية. أما المجتمع الذي يعاني من اختلالات في نظامه الاجتماعي، والعاجز عن تنظيم حياته تنظيما محكم الجوانب لتحقيق مشاريعه المعلنة، الفاقد للحرية الخلاقة، فهو مجتمع خائف وراضخ لإملاءات قاهرة، يستسلم لكل شيء، ويساير كل شيء، لكنه لا يحقق ما يرجوه، وتكون دولته دولة فاشلة أو تكاد.

شارك برأيك