التكوين والبطالة… من أين نبدأ؟ – اليوم 24

التكوين والبطالة… من أين نبدأ؟

  • الديمقراطية ودولة الأحزاب

  • عاشوراء السياسة في بلادي!

لا أدري إذا ما كانت حكومة السيد سعد الدين العثماني جادة، وهي تلتزم أمام الملك بأنها ستعد خطة قابلة للتنفيذ تتعلق بالتكوين المهني، بما يسهل إدماج خريجيه في سوق الشغل في ظرف ثلاثة أسابيع…! إذ مثل هذه الالتزامات، وهذه السرعة التي لا تعني في النهاية سوى التسرع، هي ما أنتج لنا كثيرا من الكوارث في قطاعات مختلفة، زد على ذلك أن الحكومة لا تجد أي حرج وهي تخوض في قضايا لا تملك بخصوصها أية رؤية، أو أنها مستعدة دائما لتقلب المنطق الذي يؤطر نظرتها لموضوع معين. التكوين المهني منذ حكومة السيد بنكيران الثانية خرج من وصاية وزارة التشغيل إلى حضن وزارة التربية الوطنية، وذلك بعد إحداث كتابة دولة خاصة بالتكوين المهني لدى وزير التربية الوطنية، هذا التحول في الهندسة الحكومية كان من المفروض أن يكون مسنودا بتحول في سياسات التشغيل التي تظهر عبر نوعين كلاسيكييا مختلفين، الأول يُطلق عليه “من المدرسة إلى العمل”، والثاني يسمى “السياسات النشيطة للتشغيل”. النوع الأول يدمج المدرسة في الحياة الاقتصادية منذ السنوات الأولى بحيث يتم الانتقال بين مؤسسة المدرسة ومؤسسة المصنع بكثير من اليُسر والسهولة، وفي هذا النموذج تنخرط المؤسسات الاقتصادية في العملية التعليمية لا من حيث طرق التكوين ولا من حيث البرامج، وفي هذا النظام يتم تتبع التلاميذ والطلاب منذ المرحلة الأساسية، ويتم توجيههم بشكل مستمر، حيث يتم تحديد الطلاب الذين سيكملون التعليم العام المتميز بالجانب النظري، وباقي الطلاب ممن سيكملون التعليم ذي الطابع المهني وهم الأكثرية، على أنهم يحتفظون بإمكانية الحصول على شواهد أكاديمية عليا لأن المسارات غير مغلقة بشكل نهائي. أما في النوع الثاني، وهو الذي يعتمده المغرب منذ سنوات طويلة، فيقوم على إعداد برامج للتشغيل تُخصص لها حوافز مادية من أجل تمكين الخريجين من حاملي الشهادات من تجربة مهنية أولى عبر عقود تدريب في الشركات، وهو نموذج يتسم بإهدار كثير من الموارد المادية ويُشرّع للهشاشة في سوق الشغل، بالنظر إلى الشروط التي تتضمنها عقود التدريب، إضافة إلى ذلك، فهذا النوع من سياسات التشغيل ليست له القدرة الاستباقية لمعالجة اختلالات سوق الشغل ولا المشاكل التي تعرفها المدرسة، بحيث يتم وضع برامج لتصحيح اختلالات التكوين، وهو أمر في غالب الأحيان يبقى دون جدوى.

نقل قطاع التكوين المهني إلى قطاع التربية والتكوين كان من المفروض أنه يعني تبني المغرب اختيار نهج “من المدرسة إلى العمل”، أي ربط مسارات التكوين منذ المرحلة الأساسية.. لكن الواقع أنه لا مع حكومة بنكيران الثانية، ولا مع حكومة العثماني الحالية، فإن الهندسة الحكومية ليس لها أي ارتباط بمضمون السياسات التي تصدر عن الحكومة. هناك سرديات كلاسيكية تقول إن التعليم ينتهي بدرجة الدكتوراه، وإن النمو يخلق الشغل، بحيث نقطة في معدل النمو تحدث ما بين 30 و35 ألف منصب شغل، وإنه يجب ربط التعليم بسوق الشغل…، هذا الكلام لم يعد يملك القدرة التفسيرية الكاملة لواقع البطالة ليس فقط على المستوى الوطني، بل، أيضا، وأساسا على المستوى الدولي، إذ إن الدروس المستفادة من الثورة الصناعية الرابعة والصعود اللافت للربوتات والطابعات ثلاثية الأبعاد والذكاء الاصطناعي، تؤكد أننا يجب أن نربي أبناءنا على أن المعرفة لا تنتهي؛ فما يحققه العلم اليوم، من تطور خلال ساعات؛ كان يتطلب قبل ذلك مئات السنوات، لذلك، عليهم أن يفهموا أن طلب المعرفة مثل استهلاك الأوكسجين لا ينتهي سوى بالموت، وأنه من الضروري إزالة ترسبات قيمة الشواهد العلمية كرمز لنهاية مسار التعليم، الاقتصاد الجديد المبني على المعرفة يؤكد لنا بالملموس أن النمو لا يعني بالضرورة التشغيل، فالمصانع التي كانت تعج بالعمال، أصبحت اليوم مكانا للروبوتات والذكاء الاصطناعي وبإنتاجية أكثر، بل إن المناصب الجديدة التي يحدثها الذكاء الاصطناعي تتطلب شروطا غاية في التعقيد، فلم تعد الصناعات الجديدة بحاجة إلى أعوان تنفيذ ولو بدرجة مهندس، بل إلى مبدعين ومبرمجين وعلماء بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهو ما يفرض تحديات كبيرة وضغوطا متواصلة على سوق الشغل على المستوى الدولي، ونظرا إلى التطور السريع للعلوم والتكنلوجيا، فإنه يصبح من المستحيل تحقيق شيء اسمه ربط التعليم بسوق الشغل، فالتعليم يعطي المعارف العامة الأساسية التي تمنح للطلاب الكفايات اللازمة للتأقلم مع ما تحمله التكنلوجيا من جديد، مع الالتزام بالتكوين المستمر المواكب لتطور العلوم.

بلادنا يجب أن تراهن على التعليم دون تمييز بين التعليم العام النظري وبين التعليم المهني، وعليها أن ترصد موارد كافية لأسرة التعليم ولكل الوسائل البيداغوجية في المؤسسات التعليمية، وعليها أن ترسم حدودا للقطاع الخاص، في اتجاه جعله مسألة اختيارية لدى الأسر، وليس مهربا من جحيم المدرسة العمومية، كما عليها، أيضا، أن تواكب الدراسات والأبحاث العالمية عن المهن التي ستختفي في غضون سنوات قليلة، بينما لازالت تلك الوظائف تشكل حلما لأطفال ولأسر…، فأي تعاطي تجزيئي مع التكوين المهني سوف لن تكون له نتائج بعيدة المدى، خاصة إذا اقتصر الأمر على إعداد جيوش من الشباب لتقوم بما يشبه السُّخْرة…

شارك برأيك