الهجرة: اضطرار اقتصادي أم بحث عن المواطنة؟ – اليوم 24

الهجرة: اضطرار اقتصادي أم بحث عن المواطنة؟

  • الجاليات المواطنة والانتخابات الفيدرالية الكندية

  • هل سيستمر شروق شمس التغيير من تونس؟

مما لا شك فيه أن للهجرة، كظاهرة تاريخية واجتماعية ودينية، كذاك، قاسما مشتركا، ألا وهو مغادرة الأوطان، رغما أو اضطرارا. وكأن المهاجرين تجاوبوا مع ما أشار إليه القرآن الكريم للمستضعفين “ألم تكن أرض لله 
واسعة فتهاجروا فيها”.

ويعلم الجميع أن الهجرة المعاصرة من بلاد الشرق الأقصى، والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بصفة خاصة، إلى الغرب بدأت مع اكتساح  الاستعمار الأوروبي  لتلك المناطق، الذي أشرك شرائح من شبابها في حروبه، فاختار بعض هؤلاء بعد انتهاء مهامهم العسكرية الإقامة هناك. غير أن الهجرة ازدادت بكثافة إلى أوروبا وأمريكا الشمالية نتيجة احتياج المصانع هناك إلى مزيد من اليد العاملة الرخيصة، في مقابل وجود قابلية لدى كثير من الراغبين في الهجرة بسبب الفقر والبطالة وأشياء أخرى في بلدانهم. ونستطيع أن نصنف اليوم رواد الهجرة كالتالي:

1) هجرة اقتصادية، هروبا من الفقر والبطالة والتهميش نتيجة لسياسات تتميز بسوء التخطيط  والتخبط في تدبير الشأن العام، وغياب المصداقية في المشاريع المبشر بها، بسبب عدم الوفاء بالوعود المقطوعة من قبل المسؤولين؛ ونتيجة للفوارق الفاحشة بين طبقات  المجتمع، بل بين أحياء المدينة الواحدة، قبل ملاحظة وجوده بين المناطق المجالية كذلك.

2) هجرة فاقدي الأمل في التوزيع العادل للثروة. وقد تساءل ملك البلاد نفسه باستغراب “أين هذه الثروة”؟ والواقع أن دواعي الهجرة لا تتوقف عن عدم تمتع جميع المغاربة بثروة بلدهم فقط، بل تتعلق، كذلك، بالفساد الإداري، وما يروج عن فساد القضاء، ومنظومة الصحة. هذا ما يُعاني منه أكثر المغاربة، وبخاصة الشباب، دون أمل في إصلاح الأمور. ولا نستغرب أن تشير بعض التقارير إلى أن 80% من المغاربة يرغبون في الهجرة.

3) هجرة الكفاءات العلمية وطلاب العلم؛ إذا كان طلب العلم مطلوبا ولو في الصين، كما جاء في الأثر، فإن كثيرا من هؤلاء يختارون البقاء في الدول التي درسوا فيها؛ وهي بلاد يقصدها كثير من الكفاءات العلمية كذلك. ومعلوم للجميع أن اختيار الكفاءات وطلاب العلم الهجرة إلى الغرب بخاصة، لا يعود إلى العامل الاقتصادي فقط، بل لبيئة الإبداع والابتكار غير المتوفرة في البلد الذي هاجروا منه، ولممارسة المواطنة الفعلية في تلك البلاد كسلوك فعلي، ثم الشعور بالكرامة والأهمية، التي لا يماثلها شيء إلا ما جاء 
على لسان الإمام الشافعي:

“فالعنبر الخام روث في موطنه ** وفي التغرب محمول على العنق

والكحل نوع من الأحجار تنظره **  
في أرضه وهو مرمي على الطرق”

4) لا يمكن الإحاطة في هذا المقال بجميع دواعي الهجرة؛ لكن يكفي أن نذكر بمصطلحها الجديد “لحريكْ”الذي ابتدعه غير القادرين على  تحقيق الهجرة النظامية. وقد شق لحريكً طريقه في البحر بمخاطره المتعددة منذ عقود من الزمن، ويزداد رواده عاما بعد عام، بل يوما وبعد يوم؛ لأن “لحريكْ” أضحى مع توالي الزمن مطلبا لفئات عريضة جدا من شباب وشابات المغرب، بل للأطفال كذلك؛ كما تؤكده  مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام مختلفة المشارب والمنازع. وليس هناك يقين لدى كثير من المغاربة بأن ظاهرة “لحريكْ” في طريقها إلى الزوال، أو التناقص على الأقل، بسبب سياسات المسؤولين نحو تحقيق أمل المغاربة، وبصفة خاصة فئة الشباب 
في العيش الكريم والعدالة والمواطنة.

5) وما قد يسبب ألما لكثير منا أن يصف المغاربة سعادتهم حينما يحصل أحد أبنائهم، ذكرا كان أو أنثى، على الإقامة القانونية في أوروبا أو في أمريكا الشمالية. وكأن لسان حاله يقول بكثير من الارتياح والفخار: لقد نجا il est sauver. لم يكن يوازي هذا الارتياح والفرح عند الآباء في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إلا حين حصول أحد الأبناء على درجة علمية عليا. ونرى اليوم، أن الحاصل على الدرجة العلمية مثله كمثل من لا درجة علمية له، فكلاهما عاطل أو معطل، وكلاهما لا يحلم 
الأ بالهجرة بجميع الوسائل.

شارك برأيك