حوار الطرشان – اليوم 24

حوار الطرشان

  • الجاليات المواطنة والانتخابات الفيدرالية الكندية

  • هل سيستمر شروق شمس التغيير من تونس؟

عبارة “حوار الطرشان” لا تعبر عن رفض شخص ما الإنصات للآخر إراديا، أو إنكار حجته بسبب تعارضها مع مصلحته وسلطته فقط، بل إنها قد تكون تدل على فقدان المستمع للصلة بالواقع بأسباب معروفة في علم الفيزيولوجيا وعلم النفس. وهناك في ثقافتنا الشعبية الحية حكاية تروي كيف يفهم الطرشان بعضهم البعض.

تقول الحكاية الرمزية إن أسرة مصابة أعضاؤها بعاهة “الطرش” أو الصمم الكلي، مكونة من أب وأم وولدين وراع. كان رئيس الأسرة يتوجه بالكلام من حين لآخر إلى الراعي يستفسره عن أحوال المراعي ورعيته، وينصحه بحماية  ماشيته من السراق، ومن الذئاب، ومن حيوانات أخرى مفترسة بمساعدة كلابه ومساعديه في الرعي، وأشياء أخرى تستلزمها الحياة.

كان الراعي يكثر من هز رأسه كعلامة بالموافقة على كلام رئيسه حين يخاطبه، دون أن يكون قد سمع منه شيئا، وأحرى أن يكون قد فهمه، بل كان يركن إلى سلوك متعود عليه منذ أن تقلد مهنة الرعي. وكان رب الأسرة ينتهج من جانبه نهجا لا يختلف عن سلوك خادمه بسبب الوضع والحال. فكان كل واحد منهما يحاول أن يوحي بأن علاقتهما البينية ستحقق المنتظر منها، في الوقت الذي كانا يعتمدان فيه على ما تعود كل واحد من الآخر وليس على ما فهما من كلام بعضهما البعض.

كانت علامات الارتياح تترجمها الملامح الظاهرة على وجوه أعضاء العائلة، وغياب العنف، كذلك، في علاقتهم البينية والجماعية؛ ما يدل على استقرارها الإيجابي وسعادتها الاجتماعية. وكانت تنطبق عليهم إلى حد كبير عبارة القدامى القائلة “عاشوا في ثبات ونبات”؛ حتى كانت ذات لحظة توجه فيها رئيس الأسرة مرفوقا بابنه إلى زوجته مكفهر الوجه، وخاطبها قائلا: بلغني أننا مُقدِمون على أيام صعبة بسبب كساد سوق الماشية واستمرار الجفاف، وعلينا أن نغير من تقاليد حياتنا وعاداتنا الاستهلاكية، ثم نظر إلى ابنه طالبا منه الهجرة إلى المدينة للبحث عن عمل لمساعدة أسرته في هذه الظروف الصعبة.

الابن الذي لم يفهم شيئا بسبب عاهته لم يعلق بشيء. أما الأم فقد فهمت ما كان يدور في بالها هي، فقد اعتقدت، من ملامح وجه زوجها وانفعالاته الظاهرة عليه، بأن الأمر يتعلق برغبته في الزواج عليها، ورأت في إحضار ابنه معه دعما لرغبته. فانطلقت مسرعة إلى ابنتها، قائلة لها: أبوك يريد أن يخرب أسرتنا، فأنت تعرفين كم قمت به من جهد لإسعاد أسرتنا، لكنه جاء هذا اليوم مرفوقا بابنه ليعلن بكل وقاحة بأنه يرغب في الزواج عليّ من امرأة أخرى، ويجب أن تقفي ضد مشروع زواجه هذا تضامنا معي.

أما البنت التي لم تفهم شيئا لأنها لم تسمع شيئا مما قالته أمها، بسبب تقاسم عاهة الصم معها، فقاطعت كلامها، وكأنها سمعتها، معلنة أمامها أنها لا تفكر في الزواج من ابن الجارة، لأنها عندما تقرر ذلك، فلن تتزوج إلا من راعي الأسرة. وحين عاد الراعي من مرعاه توجهت إليه البنت وأخبرته بقرارها الذي أعلنته لأمها.

وكون الراعي مصاب هو، كذلك، بالطرش كان جوابه كالتالي: أنا راعي قديم، وخبير بأجود المراعي وأحسنها لماشيتي، ولا أقبل من يتدخل في مهنتي وعملي، ولا أقبل مساعدة أحد أو نصيحته، فمساعدي من الرعاة وكلاب الحراسة كفيلون بالقيام بالواجب وحماية القطيع لكي يعود إلى الحظيرة سليما. قبل أن يضيف: كل ما هو مطلوب من الأسرة ليس التدخل في عملي، وإنما توفير معاشي ومعاش الرعاة المساعدين وكلاب الحراسة كاملا. أما المراعي الغنية بكلئها، فتلك مهمتي أنا وحدي.

كثيرا ما لا ننصت جيدا لبعضنا البعض. ومن ثم، لا نفهم ما يقال لنا، ولا يُفهم منا. إذ يكتفي كل واحد منا بما يدور في مشاعره وخواطره هو. فيسود سوء الفهم، وترتفع الاختلافات إلى مستوى الخلافات، وتنتشر الاعتقادات الخاطئة التي قد تتطور إلى العداوات المستحكمة، وبذلك يشق كل واحد منا نفقا بدون مخرج. وتلك هي نتيجة حوار الطرشان.

شارك برأيك