بنبركة.. «خاشقجي المغربي» الذي واجه الحسن الثاني – اليوم 24
بنبركة
  • عناصر من تنظيم "داعش" الإرهابي - أرشيف

    معطيات رسمية: تهديد استعمال الإرهابيين للمهاجرين أصبح حقيقة

  • مغاربة العالم

    دخول وخروج 12.5 مليون مسافر تقريبا من المغرب في 4 سنوات

  • المغرب - العلم المغربي

    تقرير: الدولة فشلت في استغلال «العائد الديمغرافي» منذ 1994

مجتمع

بنبركة.. «خاشقجي المغربي» الذي واجه الحسن الثاني

أعاد حادث اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي إلى الواجهة قضية المعارض المغربي الشهير المهدي بنبركة. فعلى الرغم من مرور 53 عاما من اختطاف بنبركة، فإن مصيره لازال مجهولا، كما هو حال مصير جثة خاشقجي التي لم يتم العثور عليها بعد، والتي نسجت حولها العديد من السيناريوهات. لكن المؤكد هو أن اختطاف بنبركة تقف وراءه جهات متعددة لم تكن مطمئنة للتحركات الدولية المكثفة التي كان يقوم بها الزعيم المغربي في ذلك الإبان، حيث كان بصدد التهييء لعقد مؤتر دولي للقارات الثالث باعتباره منسقا من أجل تحرير وانعتاق شعوبها من الهيمنة الاستعمارية ومعانقة الاستقلال. هذا المقال المترجم، وبتصرف عن «إلباييس»، يحاول إعادة طرح قضية بنبركة من خلال مقارنة ضمنية بينه وبين مصير خاشقجي الذي قتل بقنصلية بلاده في ظروف لازال يلفها الكثير من الغموض.

 

في العاصمة الرباط، هناك شارع أُطلق عليه اسم المهدي بنبركة، وهو شارع معروف في المدينة لدى القاصي والداني، بقاعة الألعاب الرياضية وبمحلاته التجارية الكبيرة الأكثر عصرنة، ومطاعمه ومقاهيه التي سبق وارتشف قهوتها وذاق أطباقها دبلوماسيو السفارات المجاورة. يبدو من خلال هذه الخطوة وكأن الدولة المغربية تريد أن تُدْمِل جرحا كبيرا لازال مفتوحا إلى ساعتنا هاته.

الأكيد أن جريمة اختطاف المهدي بنبركة ارْتُكِبت بباريس في الـ 29 من أكتوبر 1965، في واضحة النهار، وبالضبط حوالي الساعة الثانية عشر و15 دقيقة، أمام مطعم/حانة “ليب” بشارع سان جيرمان، رقم 151. في الواقع، كان بنبركة على علم بأن الأجهزة السرية التابعة للحسن الثاني كانت تقتفي أثره أينما حل وارتحل، كما أنه لم يسبق له أن فكر في دخول القنصلية المغربية بباريس، مثلما فعل الصحافي السعودي جمال خاشقجي باسطنبول، لأن العدالة المغربية، من بين أسباب أخرى، كانت حَكَمَت عليه بالإعدام بتهمة التمرد.

تعددت الطرق والاغتيال واحد

وإذا كان خاشقجي دخل القنصلية السعودية باسطنبول من أجل الحصول على وثاق إدارية لإتمام الزواج، فبنبركة كان على موعد أمام حانة “ليب” مع المخرج جورج فرنجو، الذي كان يخطط نظريا لتصوير فيلم عن إنهاء الاستعمار، والذي كان من المفروض أن يحمل عنوان: “باستا” (“كفى” بالإسبانية)؛ لكن، في الواقع، كان كل ذلك جزءا من فخ نصبتْه المخابرات المغربية للمهدي.

رأى بنبركة النور سنة 1920 بالرباط. وهو طفل صغير، كان يرافق شقيقه البكر إلى المدرسة، ويبقي مرابطا عند الباب في انتظار ناقوس الجرس، كما كان الحال عليه في مغرب ذلك الإبان وسط العائلات الفقيرة، وحده الابن البكر له الحق في الجلوس على المقاعد الدراسية. فكيف تسلل المهدي إليها؟ في أحد الأيام دعاه المعلم للدخول إلى القاعة بدل البقاء في الخارج، في انتظار انتهاء حصة شقيقه، قبل أن يلاحظ أن الطفل كان خارق الذكاء، ذكي إلى درجة انتهى به الأمر إلى أن يصبح واحداً من أفضل علماء الرياضيات في البلاد ومعلما لولي العهد، الملك الراحل الحسن الثاني. لم يكن رجل رياضيات فقط، بل كان واحدا، أيضا، من  المؤسسين الرئيسيين للاتحاد الوطني للقوات الشعبية (UNFP)، الحزب اليساري الرئيس في المغرب  آنذاك.

في الحقيقة، كان حليفًا للملك المستقبلي في مسار الطموح إلى استقلال البلاد. لكن شتان بين ما قبل وبعد تربع الحسن الثاني على العرش، عام 1961، حيث تحول بنبركة إلى المعارض الرئيس للملك.

كان بنبركة مرجعا لفئة عريضة من اليساريين في العالم الثالث. وخير دليل على ذلك، تنسيق الرجل، في عام 1965، مع الراحل فيدل كاستر، زعيم الثورة الكوبية سنة 1959، ورفيقه في النضال المناضل الأممي تشي غيفارا، لإعداد المؤتمر الأول للقارات الثلاث، الذي كان سيُعقد في هافانا في العام الموالي.

لم يكن المهدي ساذجا، بل كان يدرك أن لديه أعداء أقوياء جداً، لكنه لم يتوقع الفخ الذي كانت تنصبه له أيادي الأجهزة السرية المغربية منذ شهور. في ذلك الصباح، قبل 53 عاما بالتمام والكمال، أوقفه أمام الحانة شخصان قدما أنفسهما كأمنيين فرنسيين. ومعروف أنه نُقل إلى فيلا في باريس وتعرض للتعذيب حتى الموت، لكن جسده لم يظهر له أي أثر إلى حدود الآن. عقدت عدة محاكمات في باريس، وذبجت الآلاف من المقالات، والعديد من الكتب، وصورت أفلام حول القضية. لكن بعد سنوات من البحث والتحقيق اتضح أن عملية الاختطاف نظمها ودبرها الجنرال الراحل محمد أوفقير، الذي لم يكن مجرد وزير داخلية الحسن الثاني، بل كان، كذلك، مدير جهاز المخابرات، اليد اليمنى للحسن الثاني بدون منازع. فحتى أوفقير كانت لديه يده اليمنى المتمثلة في القائد أحمد الدليمي.

“خاشقجي المغربي”

في حدث غير مسبوق في القانون الدولي، أدانت العدالة الفرنسية وزيرا للداخلية لازال يمارس مهامه بالسجن مدى الحياة، إنه الجنرال أوفقير. لكن الذي وقع هو أن الحسن الثاني رفض تسليمه للقضاء الفرنسي، ما أدى إلى تجميد العلاقات الدبلوماسية لمدة عامين بين فرنسا الجنرال ديغول والمغرب.

وبعد عدة سنوات من ذلك الحادث، انتهى الأمر بالجنرال أوفقير إلى المشاركة في انقلاب ثان ضد الحسن الثاني عام 1972، حيث اعتقل وأصابته غضبة الملك. ومذ ذلك الإبان والألسن في المملكة تردد روايتين: البعض يقول إنهم قتلوه، والبعض الآخر يقول إنه انتحر. وبين هذا وذاك، تبقى الرواية التي لازالت راسخة لدى جزء من المجتمع المغربي هي أنه “انتحر بإطلاق النار على نفسه من الخلف”، وهي الطلقة التي يمكن أن يكون وجهها له الحسن نفسه. لكن لنعود إلى “المغربي خاشقجي”. ما طبيعة تورط الحسن الثاني في هذه الجريمة السياسية؟ هل هو من أمر بالقتل أم إنه مجرد حادث عرضي؟ ما هو دور قيادة المخابرات الفرنسية في ذلك؟ وهل كان هناك إهمال مقصود أو تواطؤ؟

تجاهل أثر الحقيقة

على كل حال، عند المقارنة بين اغتيال خاشقجي وبنبركة، كان رد فعل المجتمع الدولي متساهلا جدا مع الحسن الثاني. في هذا الصدد، نشر إريك غولدشتاين، مدير “هيومن رايتس ووتش” في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يوم 19 أكتوبر المنصرم، مقالاً في صحيفة “الواشنطن بوست”، الصحيفة التي كان خاشقجي يكتب فيها، تحت عنوان: “جريمة قتل مماثلة تمت منذ خمسين عاماً من قبل نظام فردي”. ويتذكر غولدشتاين كيف أن العامين من التباعد والجمود في العلاقات الثنائية بين فرنسا والمغرب استغلتهما دول غربية أخرى لبدء نسج علاقات استراتيجية مع الرباط. لهذا، وبمجرد وصول الرئيس، جورج بومبيدو، قصر الإليزيه، عام 1969، حتى استؤنفت العلاقات بين باريس والرباط.

وخلص غولدشتاين إلى أنه يجب على الغرب أن يستخلص دروسا معينة من قضية بنبركة في تعامله مع المملكة العربية السعودية بخصوص قضية خاشقجي، وفي هذا السياق يقول إن: “فشل [القوى الغربية] في المطالبة بمسؤولية [الحسن الثاني] عن جريمة ارتكبت على أرض فرنسية يمكن أن يكون شجع الملك خلال  ربع القرن الذي حكم فيه بعد الحادث (…) على جعل الأجهزة الأمنية التابعة له تقوم باختطاف المعارضين بالمئات أو سجنهم بعد تعذيبهم بشكل منهجي، وأحيانًا رميهم في سجون سرية”. يوم 29 أكتوبر المنصرم، اجتمع أحفاد بنبركة وبعض المؤمنين بقضيته مرة أخرى، على ناصية سان جيرمان في باريس، للمطالبة بفتح الملفات التي ترفض حتى الدولة الفرنسية الكشف عنها. لكن مقابل هذه الرغبة، هناك واقع مصالح الدولتين الفرنسية والمغربية، التي سحقت لمدة 53 سنة آمال أسرة بنبركة في الكشف عن الحقيقة كاملة.

بتصرف عن “إلباييس”

 

 

شارك برأيك