الهاشمي: الإصلاحات التي انخرطت فيها بعض الأنظمة بلغت مداها – اليوم 24
-- مسيرة الرباط - حراك الريف - تصوير رزقو  (5)
  • أمن - رصاص

    جريمة اختطاف وقتل وطلب فدية في فاس.. ارتفاع المتهمين إلى 10 أشخاص بينهم 3 فتيات

  • بوينغ

    لقاء بين ومُصنِّع الطائرات الأمريكي “بوينغ” وممثلي صناعة الطيران بالمغرب

  • المهداوي

    من داخل السجن.. المهداوي يحصل على أول نقطة في شعبة القانون

سياسية

الهاشمي: الإصلاحات التي انخرطت فيها بعض الأنظمة بلغت مداها

قال محمد الهاشمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة أبي شعيب الدكالي/الجديدة، إن الإصلاحات التي انخرطت فيها بعض الأنظمة بلغت مداها ولا تجيب عن سؤال الحرية والعدالة

عاد الحديث بقوة، خلال السنة الأخيرة، عن احتمال اندلاع موجة ثانية من الربيع العربي. ما الحجج التي تُسند هذا الرأي؟

أعتقد أن الإصلاحات التي انخرطت فيها بعض الأنظمة بلغت مداها، وتبيّن أنها لا تجيب عن السؤالين الأساسيين اللذين طرحا في 2011، وهما: سؤال الحرية والمشاركة وسؤال العدالة الاجتماعية. ينطبق هذا الأمر على كل من المغرب والأردن مثلا. وفي سياقات أخرى، يبدو شراء السلم الاجتماعي ذا نتائج محدودة، إما لأسباب موضوعية، كانخفاض أسعار النفط، وبالتالي، تقلص موارد الدولة، أو لأسباب ترتبط بتحولات الدينامية الداخلية للمجتمع، مقابل بقاء الوضع على حاله Status quo، ما يعمق الهوة الفاصلة بين وعي المجتمع بذاته وطبيعة النظام الاجتماعي الذي يتوق إليه، وبين حقيقة الوضع الذي يعيشه، وينطبق هذا التوصيف على دول مثل الجزائر والسعودية. غير أن هناك عاملين آخرين يضعفان إمكانية عودة موجة الاحتجاج بزخم 2011، أولهما هو القمع الممنهج لكل أشكال المعارضة وتصفية رموزها، والقضاء على بعض هوامش تحركها، وهو ما يشكل شرطا أساسيا لاندلاع انتفاضات 2011، وأخص بالذكر السياق المصري. أما العامل الثاني، فيتجلى في تحولات الظرف الخارجي من خلال صعود النزعة الترامبية في أمريكا، وتصاعد نفوذ اليمين في أوربا، وهو أمر يبدو أنه سينعكس سلبا على برامج دعم الديمقراطية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي.

يلاحظ أن هناك حديثا عن موجة ثانية فيما الموجة الأولى لسنة 2011 لم تنجح في تحقيق نتائج إيجابية، والدليل أن اليمن وليبيا وسوريا تعيش حالة فوضى وعنف. كيف تفسر هذه المفارقة؟

أعتقد أن مسألة نجاح أو فشل محاولات التغيير في دول ما يسمى الربيع العربي هي نسبية جدا. بدل تقييم هذه التجارب بمعيار النجاح والفشل، يمكن الحديث عن مسارات تتقاطع في معطيات معينة لكنها تتباين في عناصر أخرى كثيرة، وهي مسارات مشروطة بالمعطيات التاريخية والسوسيولوحية والجيواستراتيجية للدول المعنية. ومن هذا المنظور، يمكن الحديث عن ثلاثة مسارات؛ أولها المسار التونسي، وهو مسار الإرهاصات الأولية لما قد يصبح أول نظام ديمقراطي حقيقي في المستقبل، إذا توفرت الشروط الضرورية لاستمرار احتواء ارتدادات ثورة 2011 (تحدي محاربة الإرهاب)، وبناء مؤسسات النظام الجديد، ورفع تحدي التنمية الاقتصادية بالموازاة مع بناء المؤسسات السياسية. المسار الثاني فهو مسار الحفاظ على الوضع القائم، وتندرج في هذا الإطار دول منطقة الخليج، مع إمكان إدراج الحالة المصرية في هذه الفئة من الدول التي لم تتأثر فيها التوازنات الكبرى اقتصاديا وسياسيا. أما المسار الثالث فهو ما سمّاه بعض الباحثين بالطريق الثالث الذي استجابت فيه بعض الأنظمة لمطالب التغيير، لكن في حدود ما يسمح بالحفاظ على التوازنات الكبرى التي يقوم عليها النظام، ودون المساس في العمق بالقواعد المحددة لعملية توزيع السلطة والثروة، وينطبق هذا التوصيف على كل من المغرب والأردن.

أما الحالات السورية واليمنية والليبية، فهي مختلفة، على ما يبدو، عن المسارات الثلاثة السابقة، إلى حد يبدو معه كأن كل حالة منها تشكل مسارا خاصا، مشروطا، من جهة، بالبنيات السياسية والتشكيلات الاجتماعية السابقة على أحداث 2011، ومن جهة أخرى بتحولات الصراع بين بعض القوى العظمى في الحالة السورية، وبعض القوى الإقليمية في الحالتين الليبية واليمنية. بناء على هذه المعطيات، أعتقد أن المفارقة ظاهرية فقط، على اعتبار أن كل حالة من هذه الحالات مشروطة بنوعية المسار التي سارت فيه، والذي هو بدوره نتيجة تفاعل معطيات تاريخية، مؤسساتية، سوسيوسياسية خاصة بكل حالة، إضافة إلى دور العامل الخارجي.

خلال الفترة الأخيرة لاحظنا أن أقوى الاحتجاجات السلمية اندلعت في الملكيات (الأردن، المغرب)، فيما تعيش السعودية على وقع أزمة عنيفة إثر اغتيال الصحافي جمال خاشقجي. هل تتوقع أن تضرب الموجة المقبلة الأنظمة الملكية أساسا؟

لا شك أن عدم تأثر الملكيات بشكل كبير بانتفاضات سنة 2011 يعود إلى عوامل متعددة ومعقدة، لعل أبرزها طبيعة الشرعية التي تستند إليها، وهي، في أغلبها، شرعية تاريخية مطعمة بالدين وبنوع من الكاريزما في بعض الحالات (المغرب)، أو بالقدرة على خلق توازن في البنية القبلية للمجتمع (الأردن)، أو بالطبيعة النيوباتريمونيالية للنظام (المغرب وبعض دول الخليج)، ما مكنها من استعمال المال والسلطة لإعادة بناء تحالفات داخل المجتمع. العامل الآخر الذي جعل الملكيات أقل تأثرا هو تحالفها مع أبرز القوى الفاعلة في السياسة الدولية، كالولايات المتحدة الأمريكية بالنسبة إلى الخليج والأردن، والاتحاد الأوربي (فرنسا) وأمريكا بالنسبة إلى المغرب. على هذا الأساس، فإن قدرة الملكيات العربية على الاستمرار مرتبطة بالأساس بالشكل الذي ستتعاطى به مع هذه المعطيات، خاصة في ما يتعلق بقدرتها على احتواء مطالب التغيير والإصلاح الآتية من الداخل، وتحولات مصالح القوى الكبرى المتحكمة بشكل كبير في التوازنات السياسية الكبرى على المستوى الدولي. وقد يكون هذا التحدي مرتبطا بشكل كبير بمستقبل الترامبية في الولايات المتحدة بالخصوص.

في حالة المغرب، ما العوامل التي يمكن أن تشعل الاحتجاجات مرة أخرى؟

الصعوبات التي يواجهها النظام السياسي المغربي في التعامل مع حركية المجتمع، وضعف تأثير الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي انخرط فيها المغرب منذ بداية التسعينات، والتي ازدادت وتيرتها منذ 2011، تعود بالأساس إلى أن هذه الإصلاحات، رغم التراكم الكمي الكبير الذي خلقته، لم تعد قادرة على احتواء التحولات الاجتماعية النوعية، التي عرفها المجتمع على مدى العقدين الأخيرين. بمعنى آخر، يمكن القول إن الأسباب العميقة للوضعية الراهنة للعلاقة بين المجتمع والدولة تعود إلى حدوث تفاوت كبير بين ذهنيات المجتمع (تحولات نظام القيم، العلاقة بالذات والآخر، العلاقة بالسلطة…)، وبين البنيات القانونية والمؤسساتية التي يعمل من خلالها النظام الاجتماعي على إعادة إنتاج نفسه، والتي يوجد في قلبها النظام السياسي. يمكن القول إن هذا التفاوت بين البنيات والذهنيات هو السبب العميق لتنامي الاحتجاج، ويمكن القول إن مآلاته وطبيعة التعامل معه تتوقف على طبيعة فهم السلطة لهذه التحولات.

واجهت السلطة احتجاجات الريف بالقمع والاعتقالات. هل سيكون القمع هو الجواب المقبل عن أي احتجاج جدي؟

الطريقة التي تعاملت بها السلطة مع مختلف الاحتجاجات والحراكات (جرادة والريف وغيرهما)، تبين بجلاء أن عقل السلطة مازال لا يدرك أو لا يريد أن يدرك وجود هذا التفاوت، والذي تعتبر كل الأسباب الأخرى، في تصوري، مجرد أعراض له. فالشباب المغربي، بشكل عام، أصبح يمتح من مرجعية قيمية مختلفة تماما عن مرجعية الأجيال السابقة، وبالتالي، فعلاقته بالمجتمع والسلطة لا تنتظم وفق المفاهيم نفسها التي كانت تؤطر علاقة الأجيال السابقة بالمجتمع والسلطة. لذلك، أعتقد أن عقل السلطة مطالب باستيعاب هذا التحول، ومحاولة إيجاد أجوبة ملائمة له، تجنبا لمزيد من التشنج بين المجتمع والسلطة.

شارك برأيك