وزراء مقاطعون – اليوم 24

وزراء مقاطعون

  • يونس قنديل

    واقعة اختطاف قنديل.. مصير غامض لـ«مؤمنون بلا حدود»

  • فرنسا وحركة السترات الصفراء

مقاطعة اجتماع مجلس الحكومة ظاهرة جديدة تميزت بها حكومة العثماني، وتستحق التحليل والدراسة من حيث الأبعاد والدلالات. لا أعتقد، حسب علمي، أنه سبق في تاريخ الحكومات في المغرب أن لجأ وزير أو وزراء إلى مقاطعة أشغال مجلس الحكومة في تعبير احتجاجي. في الثقافة السياسية المغربية، حتى الاستقالة من الحكومة بشكل طبيعي، وهي فعل أكبر من المقاطعة، تعد بمثابة مناكفة للملك الذي عين الحكومة. فالوزراء يقالون ولا يستقيلون في العرف السياسي، لأن الحكومة بوزرائها هي حكومة جلالة الملك.

من الاستقالات الاحتجاجية الشهيرة في تاريخ المغرب، هناك استقالة عثمان الدمناتي، وزير الفلاحة سنة 1992. كان رجلا كفؤا ذا سمعة طيبة، لكن بعدما تبين له أنه لا يستطيع تطبيق ما هو مقتنع به، استقال. وفي 1996، اختار محمد زيان، وزير حقوق الإنسان، اللجوء إلى الإعلام للاحتجاج على وزير الداخلية الراحل، إدريس البصري، بسبب إطلاقه حملة التطهير ضد عدد من رجال الأعمال المغاربة. ومباشرة بعد تصريحاته استقال. هناك من يقول إنه طلب منه الاستقالة فاستقال، المهم أنه استقال. أما استقالة وزراء حزب الاستقلال من حكومة بنكيران، فلا أحد اليوم مقتنع بأنها استقالة طبيعية. فكيف يستقيل نزار بركة، مثلا، من وزارة المالية استجابة لقرار حزبه، ثم يعين في منصب كبير هو رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي؟ الجميع يعرف أن الهدف كان هو سقوط بنكيران، لكن ذلك لم يتحقق.

دأبت الممارسة السياسية على أن الإقالة أو الإعفاء من الحكومة هو الأصل، أما الاستقالة احتجاجا فهي نادرة. لكن ماذا يجري داخل حكومة العثماني، حيث أصبح ممكنا متابعة ظواهر غير مألوفة، إذ يمكن الوزير أن يقاطع مجلسا للحكومة، كما فعل وزراء حزب الأحرار ووزير الدولة مصطفى الرميد، كما يمكن الوزير أن يشارك في وقفة احتجاجية إلى جانب العمال في الشارع، مثل ما فعل لحسن الداودي، وغدا ربما سنشهد أشكالا احتجاجية أخرى.

كان وزراء حزب الأحرار سباقين إلى مقاطعة مجلس الحكومة في 8 فبراير 2018، احتجاجا على تصريحات عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق، الذي هاجم أخنوش. كان هدفهم حينها الضغط على العثماني، وقد نجحوا في ذلك. لكن الموقف الذي اختاره الرميد للتعبير عن احتجاجه كان أكثر دلالة وغير مسبوق. قاطع وزير الدولة أربعة أو خمسة مجالس حكومية، لأن حكومة العثماني عجزت عن تنفيذ قرار اتخذته بالإجماع بنشر الخطة الوطنية للديمقراطية وحقوق الإنسان في الجريدة الرسمية. ما دلالة ذلك؟ إنه تمرين سياسي جديد لاختبار صلاحيات الحكومة في دستور 2011، يضاف إلى تمارين أخرى سابقة. الرميد يحتج على حكومة عاجزة عن تنفيذ قرار، رغم أنه جزء منها، ويحتج على الأمانة العامة للحكومة لأنها لم تنفذ قرار الحكومة، وكأنها جهاز خارج الحكومة، وهو في العمق يحتج على مركز قرار قوي خارج الحكومة، ويزكي أطروحة ثنائية السلطة التنفيذية التي لم يقطع معها الدستور. لذلك، كان يجب أن يتدخل الملك لإعادة الأمور إلى نصابها، وإعادة الرميد إلى مجلس الحكومة بدعمه مركز القرار الحكومي، ولهذا، بعد تعليمات الملك للرميد بإعداد مخطط تنفيذي للخطة، لم يعد وزير الدولة مهتما بنشر الخطة في الجريدة الرسمية، بل أصبح يقول: «حصلت على الدعم الملكي، وهو الأهم».

شارك برأيك