لِمَ تصلح النقابات؟ – اليوم 24

لِمَ تصلح النقابات؟

  • لمَ يجب أن تهمنا حقيقة بنبركة؟

  • كبش فداء

إذا كان هناك من شيء يحسب لرئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، فهو تقشيره بصلة النقابات. ففي كل مرة كان ينزع طبقة، تترقرق أعيننا بالدموع عنوة؛ لا حزنا على ما آلت إليه السياسات الاجتماعية العامة، وإنما شفقة على ما كنّا نعيد اكتشافه عن الوضع الحقيقي لهذه الهيئات المتشبعة بمحلول يكلس العظام.

طيلة عملي، القصير عمرا على كل حال، شهدت انشقاق نقابتين، واضمحلال نقابة بشكل نهائي. لكني، أيضا، عايشت نزعة الخلود في أقوى نقابتين، وتتبعت كذلك التحولات الطبقية الصاعدة على أطر النقابات الساعين، دون تباطؤ، إلى تعزيز الحماية الاجتماعية لأنفسهم.

كنت أرى أن للعمال حقا في هذه البلاد، لكن بدلا من إقراره بواسطة هيئات الوساطة التي ينتخبونها، رأيت كيف جرى تسييج النقابات، وراحت تلعب دور قوة طاردة لكل القوى الموجودة داخلها ممن كانت تخشى أن تتحول هذه الهيئات إلى مزارع في ملكيات خاصة.

التشريح المنهجي للنقابات لم يعد هناك طائل من ورائه، لأن السعي إلى الإصلاح الداخلي يشبه تلك المعارك الفانتازية ضد طواحين الهواء. الوضع كما هو عليه الآن، لا يحتاج إلى أي تدخلات جراحية. يجب أن تترك هذه الجثث لتتعفن وحدها، ثم تضمحل في التراب.

هل هناك بديل؟ تحتاج القواعد، التي عاشت دهرا تحت حكم أوليغارشية نقابية، إلى الكثير من الجرأة للحركة، فهم مسكونون، على كل حال، بالهاجس التقليدي الداعي إلى المحافظة على الهياكل القائمة، والتخلص التدريجي من الدماء الفاسدة، ثم ضخ هواء ديمقراطي أكثر فأكثر. هذه أحلام رائعة، لكن حين يحين الوقت لتحقيق ذلك، فإن كل ما سيجده هؤلاء الفضلاء سيكون عبارة عن جثمان ودع حياته قبل أمد طويل.

حال النقابات الآن مثل شيخ مقعد تجري دعوته، على سبيل المجاملات البروتوكولية، إلى حضور الحفلات، فيما هو في الواقع لا يستطيع فعل أي شيء. القائمون على الحفلات عادة ما يدعونه فقط من باب الشفقة. لا يهتمون بما إن كان قادرًا على سماع خطاباتهم، أو حتى التصفيق لها. أما معارضتها، فهي من باب السخرية السوداء.

وإحدى هذه الحفلات تلك التي تسمى بـ«الحوار الاجتماعي». لقد جرى، بشكل متعمد، إفراغ هذه العبارة من المحتوى السياسي في التجربة المغربية، حتى إننا بتنا نطمح إلى تغيير مسمى تلك الجلسات من الحوار الاجتماعي إلى شيء آخر؛ شيء يشبه حفلات الشاي التي يقيمها السفراء في الأعياد الوطنية لبلدانهم. القواعد نفسها تعرف هذا، وهي على وعي بأن لا خير قد ينتج من «حوار» دون سقف، ودون قعر، كما هو دون شروط، ويتضمن أيضا كل الاشتراطات.

الزمن السياسي الضائع في جلسات هذا الحوار وقت يُهدر بسبق إصرار وترصد من كل الأطراف. فهو لا يمثل بالنسبة إليها، كما بالنسبة إلى قواعد النقابات التي تعاني، أكثر فأكثر، تسلط الحكومة كما أرباب العمل، سوى زمن مستقطع لترسيخ القاعدة الحيوية: لا شيء يجب أن يتحرك. وتترك الملفات الرئيسة لوقت آخر.

السلطات التي تبحث عن «توافق» مغشوش، تريد أن تفرض مقايضة مشروع قانون بآخر. والنقابات التي تحاول حماية سياجها المتراخي، ترغب في ألا يحدث ذلك وقادتها المتبصرون مازالوا على قيد الحياة.

هذه معضلة جماعية تغذيها الوقائع، حيث لا تستطيع النقابات فعل شيء في مواجهة «جلادها»، فهي منخورة القوى بما فيه الكفاية لجعل حتى منتسبيها يشككون في قدرتها على التفاوض المتعادل. أما السلطات الحكومية، فهي، كعادتها، تتراخى أكثر، وبشكل متعمد، كلما أحست بأن الأطراف الأخرى قد شعرت بالإعياء. هل تنتظر الفرصة المواتية؟ عقل السلطة، بالطبع، يفكر بهذه الطريقة، حيث يمكنها فرض أي شيء حينما تخلو ساحة المعركة من أي «عدو». إن العدو الطبقي للنقابات، كما كانت تقول الأساطير الإيديولوجية، قد اختفى؛ وقد انتهينا إلى صور تلتقط لمسؤولين بياقات بيضاء يتبادلون الابتسامات المتكلفة مع مسؤولين آخرين بياقات بيضاء أتوا إلى الاجتماع بسيارات المرسيدس نفسها.

الريع الذي قتل روح النقابات تكفل بكل شيء آخر، ومن ثم، ليس غريبا أن يشعر قادة النقابات بالاعتزاز وهم يسمعون الملك يدعو السلطات الحكومية إلى التفضل عليهم بحوار اجتماعي منقح ومزيد. إنها اللقطة النهائية من هذا الفيلم الرديء حيث ينتهي البطل، تحت تأثير خيبة الأمل، إلى القبول بوضع الشحاذة.

شارك برأيك