تطوَّر الإعلام، فهل تطورت أنظمتنا؟ – اليوم 24

تطوَّر الإعلام، فهل تطورت أنظمتنا؟

  • الجاليات المواطنة والانتخابات الفيدرالية الكندية

  • هل سيستمر شروق شمس التغيير من تونس؟

لم تكن هناك دولة في التاريخ، أو جماعة بشرية، بدون إعلام يعرّف بها وبسلطتها، وينشر سياستها والدفاع عنها في الوقت نفسه؛ ونعلم أن وسائل مختلفة وُظِّفت من أجل ذلك قبل العصر الحديث والمعاصر. وكان من أهم آلياته شعر الشعراء وخطب رجال الدين والفقهاء، ومقالات أصحاب المِللِ والنِّحل، كما هو معروف.

تطور الإعلام بعدما ظهرت الطباعة في أوروبا، أواسط القرن الخامس عشر. وتميزت بداياتها بتدافع مطبوعاتها بين الأفكار الإصلاحية الجديدة وترديدات الكنسية التقليدية. وما إن حلت سنة 1622 حتى تأسست مجلة ورقية هي: current of General News؛ وفي سنة 1702 ظهرت أول صحيفة يومية في لندن؛ وهي صحيفة (ديلي كورنت  Daily Courant)، ثم أعقبها انتشار الصحافة في كل العالم بالتدريج. وتعزز هذا التطور الإعلامي بظهور الراديو في الربع الأول من القرن العشرين، ثم تبعته ثورة الصوت والصورة بابتكار التلفزيون في العقد الرابع من القرن نفسه. غير أن الثورة الكبرى والشاملة في الإعلام حدثت في الربع الأخير من القرن نفسه، ممثلة في إطلاق الأقمار الفضائية وثورة الأنترنيت؛ فأصبح العالم بمثابة قرية إلكترونية والأخبار مُعولمة، وأمست أحداث العالم متقاسمة بين كل البشر في الجهات الأربع لكوننا.

إن ما أحدثته ثورة تكنولوجيا الاتصالات من تطور مذهل في الإعلام لا يضاهيه إلا ما أحدثته الثورة على احتكار رجال الدين للحقيقة المطلقة وللقيم الأخلاقية، وعلى سيطرة المستبدين بالدولة دون أي رقيب. وقد علق أحد المفكرين المعاصرين على نتائج تلك الثورة بأن الذين كانوا يطلق عليهم نعت “الغوغاء” و”الدهماء” أو “الرعايا”، أضحوا قوة واعية وفاعلة في التغيير الاجتماعي، وفي التحولات السياسية. ومن أهم أثر هذه الثورة الإعلامية في زمننا إسقاط جدار برلين سنة 1989 والأنظمة الشمولية، وإعدام ديكتاتور رومانيا نيكولا تشاوسيسكو على 
المباشر في 25 دجنبر 1989.

إلاّ أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تخلفت عن التجاوب مع محمولات الثورة الإعلامية. ففي خلال عقد من الزمن من سقوط جدار برلين انتقل العالم من 40 دولة ديمقراطية إلى 120 دولة. ما جعل رئيس أمريكا السابق بوش يتساءل سنة 2003، في ذكرى تأسيس الصندوق القومي للديمقراطية: “هل تقع شعوب الشرق الأوسط بشكل ما خارج نطاق تأثير الحرية؟… هل وحدهم دون سواهم الذين لن يعرفوا الحرية ولن يحصلوا إطلاقا حتى على فرصة أن يكون لهم رأي في المسألة”؟ لا ندري إن كان كلام بوش اعتراف ضمني بأن أنظمة الشرق الأوسط لن تؤثر فيها ثورة الإعلام؟ لأسباب تعرفها الإدارة الأمريكية جيدا قبل شعوبها.

بعد7  سنوات من خطاب بوش تحركت شعوب شمال إفريقية وشرق أوسطية من أجل تغيير أنظمتها. وتم التخلص فعلا من رؤوس بعض الأنظمة. وكان العامل الأساس المحرك لهذه الشعوب هو الإعلام الجديد. لكن حماة الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط، إضافة إلى بترو دولار، انتصروا فيما يبدو على ثورة الإعلام؛ إما بالانقلاب على التأسيس للديمقراطية التي حققها حراك الشارع كما حدث في مصر، وإما بانعدام الأمن وبنشر الفوضى بين أوصال المجتمع لتزكي عودة الاستبداد، كما يجري في ليبيا واليمن؛ وإما بدعم الديكتاتوريات المتوارثة تحت رعاية الحمايات الأجنبية كما في سوريا. وهذه الحالات مجتمعة سهلت بلا شك الطريق للتراجع عن أي مكتسبات حققها حراك الشارع العام، بل شجع بعض الأنظمة على غلق النوافذ التي كانت قد فُتحتْ للديمقراطية، فعادت بقوة إلى التضييق على حرية الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي، بدعوى خطورتها على الأمن العام، والحفاظ على استقرار الدولة.  تستثنى تونس إلى الآن من هذا التراجع والنكوص، على الرغم من ضعف النمو الاقتصادي وضغوط الجيران والدول الحامية للاستبداد، إذا قارنّاها مع دول مشرقية شهدت حراك الشارع. وتبقى مجمل أنظمة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ترفض أن تتفاعل شعوبها مع التطورات الإعلامية. وتتبنى في مقابل ذلك شعار الرئيس عبدالفتاح السيسي: “متسمعوشْ حد غيري”. والمستقبل لناظره قريب.

شارك برأيك