الاستمرارية – اليوم 24

الاستمرارية

  • الأزمة

  • الأحزاب والديمقراطية

“قد لا ترغب في الحرب، ولكن الحرب ترغب فيك” ليون تروتسكي

 

يتسلى بعض منَ الكَتَبَة وهم يضعون الملح على جروح حزب الأصالة والمعاصرة، وبقدر ما يعبرون عن رفضهم لهذا الحزب، بقدر ما هم مولعون من حيث لا يدرون به من خلال الاهتمام بتفاصيله، غير أن ما يثير سخريتي أكثر، هو أنهم يتتبعون خطواته كعاشق أبدي، وهذا يجد مبرره في كون الإنسان مهما تنكر، هو في نهاية المطاف خليط من العقد والمشاعر المتضاربة.

إن ما يقع في حزب الأصالة والمعاصرة، لا يمكن أن يُوصف إلا بالعادي، فالحزب في طور التشكل والتطور، وضم بين جناحيه توجهات وانتماءات وأجيال مختلفة، كل منها يعبر عن طموحات استنادا إلى تحاليل مختلفة، ولهذا أتى الحزب فاتحا يديه وجناحيه للجميع، وليس منطويا بشكل أصولي أو زبوني لخدمة المريدين أو لرأسمال ما.

وفي ظل هذه التناقضات، تعتبر الانزلاقات كما هي في السلوك البشري حزبيا من الأمور الطبيعية، ولا يسوئنا في شيء أن نعترف بها، لقدرتنا على تجاوزها، وأما الذين يعتقدون أنه حان الوقت لاغتيال هذا الحزب سواء أكانوا من الخصوم أو من الأصدقاء، فليعلموا أنهم واهمون، لأن حزب الأصالة والمعاصرة بكل ما له وما عليه سيعود بقوة مثل طائر الفينيق، لكونه يملك نفسا مستقبليا، لأنه حداثي، والحداثة لاشرعية لها إلا في مستقبلها، باستنادها على كثير من إيجابيات الماضي، أما الحاضر، فهو مجال للصراع، والصراع حروب، تارة داخلية وتارة خارجية، ونحن في الأصالة والمعاصرة مستعدون لها، ومثل هذه الضربات لا تقسم ظهره.

في الحقيقة، لا عقدة لي مع الكتابات العقلانية المنتقدة لحزب الأصالة والمعاصرة، ولكن ما يثيرني هي التحاليل الغريبة التي تصدر عن بعض الكتبة، حين يخلطون بين المؤسسة والأشخاص، بين المسؤول عن الحزب ومؤسساته، وأكثر ما يحز في النفس حين يكون هذا الخليط مقصودا، للحكم على الاثنين بالفشل وفي النهاية، فهم ينطلقون من نتائج يتوهمونها، فيجدون لها مبررا في مقدمات كتاباتهم، وأغلب هؤلاء الكتبة ينطلقون من نظرية الجدل، أي الشيء ونقيضه، فهم يتعمدون تغييب هذا المعطى داخل حزب الأصالة والمعاصرة الذي يوجد بداخله كذلك الشيء ونقيضه، أي الممارسات العقلانية وتلك التي تخالف المنطق، فسوء السياسة وسوء الأخلاق يقابله حسن السياسة وحسن الأخلاق والقبول بالآخر، ولأن الاثنين يوجدان، فلا ضرر في القيامبالنقد الذاتي، بل هذا الأخير «أي النقد الذاتي» يعد رسالة مفادها أننا في طور التحول والتطور، وما على الجميع إلا أن يقبل بنا، لأنه التاريخ ولأن التطور يفرض ذلك.

إن الذين يكتبون عن الأصالة والمعاصرة، عليهم أن يغيروا لون مِداد أقلامهم، فاللون الأسود ليس دائما هو الأفضل للكتابة، وهذه الكتابات التحريفية لا يمكنها إعدام هذا الحزب الهرم سياسيا ومؤسساتيا، أما اختزال أزمة حزب الأصالة والمعاصرة في كونه مشروع الدولة أو مشروع الملك، فلا يضيره في شيء هذا النعت، لأن الدولة هي التي تحتضن كل الأحزاب، والملك فوق الجميع حتى الأحزاب التي تصفنا بذلك.

لذلك، لا تهمني حروف هؤلاء الكتبة لكونها ستنتهي بالفشل، ولأن الأصالة والمعاصرة سيستمر، وأن الكلمات التي تُكتب ضده ستظل كالنقش على رمال الشواطئ سرعان ما تجرفه أمواج بحر السياسة والحداثة، فنحن نفتح أيدينا إلى الجميع، وندعو الجميع إلى التعامل معنا بالاحترام نفسه، وأن نؤسس لحوار نرسم من خلاله حدودا لبعضنا ونخلق علاقات من أجل بلدنا، وإذا كان من الضروري أن ننتقد ذواتنا فلا عقدة لنا في ذلك، لأن ذلك يقوينا ويدفعنا إلى الأمام، وليس لأن الآخرين يريدون منا ذلك. فهذه هي رياح السياسة التي تأتي في غالب الأحيان بما لا تشتهيه سفن البعض، لذلك نهمس في آذان هؤلاء ونقول لهم، إذا كان منكم من هو بدون خطيئة، فليرمنا بأول حِجارة.

شارك برأيك