زمن المذلولين! – اليوم 24

زمن المذلولين!

  • تراكم الاحتقان!

  • وارسو بين زمنين وصفاقة القرن!

«زمن المذلولين»، هو عنوان كتاب لـ»برتراند بديع» «Bertrand Badie»، صدر سنة 2015 عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ترجمة «جان ماجد جبور»؛ تحدث «برتراند بديع» في الكتاب عن المنطق الجديد الذي أضحى يحكم العلاقات الدولية، والذي انتقل من منطق الهيمنة الفاضحة، حيث تبرز السلطة بشكل سافر يتجاوز الهيمنة بمظاهرها التقليدية، إلى تعمد إذلال الأنظمة من خلال أربعة نماذج: الأول، يتم بواسطة الانتقاص منها، والثاني، عبر إنكار فكرة المساواة، والثالث، عبر الإقصاء، أما النموذج الرابع، فيتم بواسطة الوصم، ويبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فهمه للعلاقات الدولية أقرب إلى هذا «البراديغم»، ويظهر ذلك جليا في تعامله مع بلدان الخليج، وبصفة خاصة مع المملكة العربية السعودية، والشواهد كثيرة لا تحتاج إلى تذكير.

ما يهمنا هنا والآن، هو كيف يتم توظيف هذه النماذج في تدبير الحياة السياسية الوطنية، وكيف يتم التعاطي مع السياسيين وصناع الرأي العام من صحافيين ومثقفين ممن آثروا الحفاظ على قدر من الاستقلالية حتى لا نقول الممانعة وما تحمله العبارة من طابع إيديولوجي، طابع يوحي بالمواجهة والصراع الذي يغلب عليها واقعا ووصفا. في مقابل هذه الفئة، هناك من يمكن وصفهم بـ»المذلولين»، وهي عبارة يتطابق فصيحها مع ما درج الناس عليه من توصيف لمن استطاب المهانة والاحتقار، وسارت الكرامة عنده مما عز طلبه، ولأن هذا الصنف أصبح هو الذي يحتل الواجهات ويفتي في كل أمر، فقد صح أن ينعت هذا الزمن بـ «زمن المذلولين»، وكثير من هؤلاء يعانون من متلازمة «استكهولم» ممن وقعوا في حب من أذلهم وانتقلوا من النقيض إلى النقيض، فهم من صنف من يرتد عندهم السلاح إلى الخلف، لكنهم في النهاية لا يصلحون لا لأنفسهم ولا لمن أذلهم مرتين، المرة الأولى عندما مس كرامتهم ومسح بهم الأرض وسرق أحلامهم وحتى أوهامهم، ومرة ثانية عندما جعلهم رأس حربة في حروب «بلامجد».

المذلولون كثر، تجدهم في السياسة والثقافة والصحافة والرياضة والاقتصاد والموضة والطبخ، وحتى الفكاهة، لم يتركوا مجالا دون أن تمسه أمراضهم المعدية وأنفاسهم الكريهة، لكنهم كما قال الشاعر في زمن مضى جميعهم في النائبات قليل، وما أكثر نوائب البلد هذه الأيام، وهي من التعقيد والجدية ما يستعصي على «المذلولين» حلها وفك شفراتها، فهي جد الجد لا هزل فيها مهما حاول البعض جعل الأمر كذلك، من وفرة الغباء ووفرة الجهل بدروس التاريخ…

كل المؤشرات تقول إن بلادنا تضع رجلها في سنة صعبة، وهي سنة تصادف تراكمات سلبية كثيرة في مجالات مختلفة ستشكل الواجهة الاجتماعية والاقتصادية أبرز التحديات، ولأن الوضعية الاقتصادية والمالية العامة للدولة لا تبشر بتعاطي إيجابي مع ما تراكم من الطلب الاجتماعي، فإن الأمر يستدعي في المقام الأول خطابا سياسيا واضحا صريحا وصادقا يؤسس للثقة ويضع شروطا لعمل جماعي يمكن بلادنا من أن تتجاوز بسلام المخاطر التي يراها كثير من الصادقين قريبة وجدية، بينما يراها «المذلولون» الغفل مجرد أوهام؛ ذلك لأنهم وضعوا حجابا بينهم وبين الحقيقة، غير أن الواقع مع ذلك، لا يرتفع، فإذا كان غير كاف لعن الظلام، فإنه بالقدر ذاته لا يكفي إنكار الواقع وإدمان سلوك النعامة.

بلادنا اليوم، بحاجة إلى حوار وطني حقيقي واضح وصريح يعيد الاعتبار والمصداقية لعدد من مؤسسات النسق السياسي، وليس بحاجة إلى معارك صغيرة وتافهة، وخاصة محاولة استيراد نماذج المواجهات التي عرفها الشرق الأوسط على أسس عقائدية وإثنية ولغوية وطائفية، فلا التجربة التاريخية الخاصة تسعفنا في تدبير ذلك دون خسائر جسيمة، ولا ظروف البلاد تتحمل ذلك بأي شكل من الأشكال، فتلك المعارك الفارغة في النهاية، لا تقدم ولا تؤخر فيما تواجهه بلادنا من تعقيدات قد لا تكون خاتمتها مسك، وأول خطوة لتجنب ذلك المصير، هو «عتق» المذلولين وإنهاء زمانهم… والاستماع إلى نبض القلب الذي ينطق به من لهم غيرة على الوطن من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.. كل ذلك قبل فوات الأوان.

شارك برأيك