مثل النار في الهشيم.. – اليوم 24

مثل النار في الهشيم..

  • عن الأمن والريف وبوعشرين..

  • الهروب..

قرر «واتساب» في العام الماضي، تقليص عدد الأشخاص الممكن تحويل رسائل إليهم إلى عشرين شخصا. من قبل، كان بإمكانك تحويل كل ما يرد حسابك، من بطاقات المعايدة والتبريك إلى غريب الأخبار وصادم الأفكار، إلى 100 شخص أو يزيد. كان بإمكانك تحويل أي رسالة إلى كافة أصدقائك ومعارفك تقريبا على «واتساب». وبإمكان كل فرد أن يعيد إرسالها بدوره إلى لائحة جديدة، قد تصل إلى 100 شخص، وهكذا دواليك. وبهذه السرعة، مع بعض بهارات الإثارة والفرجة، قد تنتشر رسالتك في البلاد برمتها مثل انتشار النار في الهشيم، وفي لمح البصر. وهذا النوع من الانتشار السريع هو ما يُصطلح عليه بالإنجليزية بـVirality (التفشي). والغرب وشركات التكنولوجيا بين نارين اليوم. فأكبر مسوّق لمزايا التفشي هو الغرب، وأكبر متضرر منه هو الغرب أيضا.

فقرار «واتساب» بتقليص لائحة تحويل الرسائل المتوصل بها إلى 20 شخصا، جاء في سياق جهود تقودها حركات ومؤسسات رسمية في الغرب لمحاربة الآثار الجانبية لهذه الظاهرة. فتفشي الأخبار والأسماء نقمة ونعمة.

مثلا، هذا الإجراء الجديد لـ»واتساب» طُبق أيضا على المستعملين في المغرب. ويبدو أن مساعي «واتساب» لم تصمد أمام هواية تقاسم الفضائح والمصائب عند جزء معتبر من المغاربة. في الآونة الأخيرة، رُوِّجت فيديوهات لأحداث متفرقة في معظمها قبيحة ومسيئة. والدولة الآن، تعي أنها تواجه معركة شرسة ضد ظاهرة «التفشي» التي أفرزها الواقع التواصلي الذي نعيش فيه. وهي ظاهرة تتسبب، إضافة إلى هتك الأستار وفضح الأعراض، في نشر كميات هائلة من البلاهة والتخلف بين العباد. ولعل القارئ يلاحظ كيف تستحيل كثير من الخرافات والأخبار التافهة والخاوية إلى نقاش عام.

لكن لننتبه: هناك آثار غير «خاوية» لهذه الظاهرة أيضا. في الغرب، يحاربون تفشي الأخبار لأن هناك شبهَ إجماع على أن قوى خارجية تستغل أو استغلت وسائل التواصل الاجتماعي لترويج خطابات وأفكار بعينها، أثرت على اختيارات الناخبين في محطتين سياستين بارزتين هما الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، والاستفتاء على خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي في السنة ذاتها. القوة الأجنبية الأولى المتهمة في هذا السياق هي روسيا. ولهذا أثر مهول إذا تأكد.

في المغرب، أثرت الخطابات والرسائل التي روجها أنصار المقاطعة عبر «واتساب» وباقي شبكات التواصل على القرار الاستهلاكي لكتلة عريضة من الناس. وقد تفطنت الدولة لهذا الانعكاس حينها، وكان هناك اجتهاد يدفع باتجاه تعديل قانوني لحماية «سمعة واقتصاد البلد» من «المغالطات»، قبل أن يتم التخلي عنه، وهو قرار حكيم.

عموما، هناك طريقتان في مكافحة انعكاسات التفشي. الطريقة الأولى، وهي طريقة متقدمة، تركز النظر على الشركات المالكة لوسائل التواصل الاجتماعي مشددة القوانين، رافعة من سقف الغرامات ولائحة الممارسات الممنوعة، محملة الرأسمال المسؤولية. وترى أن المستعمل/المستهلك ضعيف، وفي حاجة إلى حماية. يحتاج إلى من يحميه من ضعفه أو سذاجته أو جهله لأن هناك من قد يتلاعب به عبر هذه الوسائط.  تركز الحلول القانونية على شركات التسويق والهيئات المنظمة التي تنشط في مواقع التواصل الاجتماعي وليس على الأفراد والنشطاء (مثال كامبريدج أناليتيكا)، وتركز الحلول التعليمية التربوية على جمهور المستعملين. وهناك طريقة ثانية، تقوم بالعكس تماما. تركز الضوء على المستعمل الفرد وتقف عاجزة أمام عمالقة التكنولوجيا. في المغرب وحتى نجد طريقنا في مواجهة هذا السلاح المزدوج، نحتاج إلى مناظرة كبرى تجيب عن ثلاثة أسئلة مركزية انطلاقا من بحث علمي رصين يسبقها: ما نوع المحتويات التي يقبل عليها المغاربة بوسائل التواصل الاجتماعي حسب نوع كل وسيلة، وحسب الأعمار/ الأوساط/..؟ هل يوجد انعكاس سببي (causational) بين التعرض لهذه المحتويات (بمعيار من يمضون أكبر نسبة من الوقت على هذه الوسائل مثلا) واختلال قيمي/ دراسي/ سلوكي/ نفسي/ جنسي ما؟ ثم كيف نحد من هذه الانعكاسات ونحمي البلاد والعباد من شلال البلاهة الجارف؟

شارك برأيك