«حضي راسك».. – اليوم 24

«حضي راسك»..

  • المدرسة التي فُرض عليها التعاقد

  • رسالة بروكسيل

بين الحضور القوي للصور المنسوبة إلى السيدة ماء العينين في صفحات المهتمين بالسياسة في الشبكات الاجتماعية، وبين خفوت هذا الاهتمام في مشاغل من يشكلون الأغلبية المسماة زورا بالصامتة مسافة معتبرة. لا يعود الأمر في اعتقادي لتباين تلقي الأخبار المتعلقة بالحياة الخاصة عند الفريقين، بل إلى عدم التفات الناس للشخصيات الحزبية إلا من استثناءات قليلة، مما يجعل من اعتبار القيادات الحزبية والنقابية شخصيات عمومية مسألة فيها نظر في المجال التداولي الشعبي.

اهتم «سياسيو» «الفيسبوك» و»تويتر» برحلة «باريس»، وانقسموا قبائل وشيعا، يجمع بينهم خيط الوثوقية واليقينية، بين من ينفي الواقعة، ومن يبررها، ومن يتخذها منصة لتصفية الحسابات السياسية أو الإيديولوجية.

الإسلاميون تفرقوا بين فريق: انصر أختك ظالمة أو مظلومة، وهي الفئة الغالبة، وبين فريق أطلق جرس الإنذار لخطر ما تسميه أدبيات الحركات الإسلامية بالتساقطات، فيما آثر فريق ثالث الاعتصام بالصمت، ولسانه يتلو: إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا.. وهكذا انقسموا بين «تيارات»: التبرير والتحذير والتبين.

أما اليساريون، فمنهم من رقص طربا للواقعة دون أي تمحيص، ولم ير أشدهم راديكالية و»مفاصلة» مع النظام اللاشعبي واللاوطني واللاديمقراطي إشكالا في تقاسم ما «تتقيؤه» صفحات ومواقع قريبة من أجهزة هذا النظام الذي يحلمون بإسقاطه، ولم يكن الأمر التقاء موضوعيا، بقدر ما هو انخراط واع أو غير واع في معركة اختار لها التوقيت والمنفذين والمسربين مطبخ جهة تصفي حسابا مع جهة أخرى، هكذا ينحدر جزء من اليسار الراديكالي من موقع حطب الثورة إلى إسفلت حطب نار معركة لا ناقة له فيها ولا جمل، وفي مقابلهم انبرى يسار آخر للدفاع والتضامن مع السيدة ماء العينين، وهو في أغلبه من اليسار الذي يؤمن بأهمية الحوار العلماني/الإسلامي، معتبرا أن ما يتم الترويج له يستهدف فيما يستهدفه ممكنات الالتقاء بين تيارين يشكلان النقيض للسلطوية والتحكم، واستند هذا التوجه على ورقة احترام الحياة الخاصة للأفراد، ورفض توظيفها في تصفية المعارضين للنسق، وهو توجه لاقى ترحيبا في صفوف إسلاميي البيجيدي والإسلاميين عموما. غير أن هذا التوجه لم تكن مرافعاته مقنعة بخصوص حدود الحياة الخاصة للشخصية العمومية.

وهكذا بينت صور منسوبة إلى برلمانية، حجم الانقسامات التي تخترق صفوف الإسلاميين واليساريين معا، مما يوفر للسلطوية إمكانات الإلهاء من جهة، وممكنات تجذير الانقسامات من جهة أخرى، عبر الملفات التي تتوفر عليها للأفراد أو للتنظيمات (سواء أكانت حقيقية أو مخدومة)، ملفات تختار لها التوقيت المناسب، وأصبحت تعتمد في إخراجها على شبكات التواصل الاجتماعي، التي نجحت بمكر (ويجب أن نعترف لها بذلك) في تحويلها من منصات للتعبئة والتحريض وفضح الاختلالات وممارسة المعارضة بعيدا عن الخطوط الحمراء، إلى فضاء للتراشق و»التشاتم» وتصريف فائض الأحقاد، وتحويل التناقضات الثانوية إلى تناقضات رئيسة.

ووسط كل هذه الفوضى غير الخلاقة يجدر أن نتأمل كيف أن هذه الواقعة لم تثر سوى السياسيين، في حين تجاوزت مشاهدات وأخبار فيديوهات «الكلاشات» بين فناني «الراب»، ومسلسل الاعتداء على مثلي مراكش، أخبار ماء العينين، مما يعني أن رجل/امرأة السياسة لم يتحولا بعد لشخصيات عمومية مثل الفنانين والرياضيين والفقهاء (قصة الفيزازي وحنان)، كما يجب على فريق الإسلاميين الذي أصبح اليوم، ينتفض ضد استهداف الحياة الخاصة أن يحول هذه المرافعات إلى أوراق مرجعية تقر بشكل واضح الاعتراف بالحريات الفردية، لأنهم إلى عهد قريب كانوا يدافعون عن مسودة مشروع القانون الجنائي الذي طرحه الرميد، والذي كان يشرعن قانونيا وليس عمليا فقط، لاستهداف الحياة الخاصة، وعلى اليساريين أن يقفوا وقفة مع الذات لمساءلة واقعهم التنظيمي والبيني والخطابي الذي يجعلهم على الهامش، يقومون بردود الأفعال فقط، في أحسن الأحوال، وفي أسوئها يسقطون في توظيف في معارك بين الفيلة، وحين يتصارع الفيلة يكسرون أواني الفخار، كما في الحكمة الهندية.

شارك برأيك