النسيان المفتعل – اليوم 24

النسيان المفتعل

  • الميت نوعان

  • الريف لمن يحرثه

في عام 1967، أصيب محمد بنسعيد آيت إيدير، المقاوم والسياسي الجدير بالاحترام، بأعراض مرض فقدان الذاكرة. لم يكن يستطيع أن يتذكر الأحداث القريبة، حتى وإن كانت مواد جريدة قرأها قبل لحظات. لكنه، رغم ذلك، كان يحتفظ بذاكرة مفعمة بالحياة للماضي البعيد. لم يقدم آيت إيدير التشخيص المرضي لما أصيب به، لكنه أودع في مصحة بسويسرا حيث قضى شهرين، ثم غادرها بذاكرة مفعمة بما هو قريب منه وبما هو بعيد.

في مذكراته الجديدة، يجد هذا المرض لنفسه موطئ قدم على طول النص البالغ عدد صفحاته 400 صفحة، كشكل من «النسيان المفتعل»، وهو أقرب توصيف إكلينيكي وجدته لما حدث للرجل في ذلك الوقت، حيث إن الشهادة المعروضة تباعد بين الذاكرة والتاريخ كل مرة كان الموضوع فيها قريبا في الزمن. إذا عدت إلى ما فعله آيت إيدير منذ 1990، فإنك بالكاد ستجد ما يغريك. لم يفعل ذلك عندما تعلق الموضوع بالماضي البعيد؛ كانت الذاكرة والتاريخ متلاصقين تقريبا.

هل كان ذلك مفتعلا منه؟ عادة ما أميل في تحليل السرديات السياسية المقدمة على شكل مذكرات، إلى الاقتناع بأن شرط الحياة يعيق الحقيقة التاريخية. إننا نحصل على أنصاف الحقائق، وعلى وقائع أقل إذا كان الشهود مازالوا أحياء. ربما يصعب رمي الحقائق دفعة واحدة في وجوه أولئك الذين عايشوا اضطراب الموقف التاريخي، بيد أن آيت إيدير لا يفعل ذلك، فهو يقدم ما يراه حقيقة تاريخية، لكنه لا يسندها بالوقائع الكافية. كانت المذكرات – ما بعد 1990 – «بيان خزي» أكثر من أي شيء آخر.

عندما قرأت مذكرات آيت إيدير، شعرت ببعض الانزعاج الناتج عن الحيف الذي مارسه الرجل على نفسه وهو يكتب شهادته. في فصول ما بعد التسعينيات، تحس بنفسك وكأنك إزاء عمل لجنة تحقيق مورست عليه رقابة رئاسية. مثل أوراق لجان التحقيق التي تنشر وقد قصت الفقرات والأسماء من الصفحات الأصلية. لا يفسد ذلك دائما النتيجة النهائية، لكنه يحبط الباحثين التواقين إلى تحديد التفاصيل.

لكن، هل يجب أن تكون الشهادة التاريخية مثل شهادة مقدمة إلى المحكمة؟ رأيي أن التفاصيل تمتلك حيويتها عندما تكون صالحة لإصدار حكم. لقد أصدر آيت إيدير أحكامه على طول صفحات شهادته، لكنه لم يقدم تفاصيل كافية. وعلى نحو شخصي، شعرت بالحيرة إزاء الطريقة التي ينبغي بها تصريف صك الاتهام على الأشخاص المتورطين، فهم غير معلّمين، وغير محددين. لقد تركهم آيت إيدير ليشعروا بالخزي.. تلك حكمة سياسية، لكنها غير مفيدة بشكل كبير للتاريخ.

كثيرا ما كنت أرى في آيت إيدير شخصا مفرط الطيبوبة. تلك علامة ضعف كما يقال، وربما كان تأثيرها مفرطا في مذكراته هذه المرة. قبل سنين قليلة، أصدر رفيقه في المنفى، عبد السلام الجبلي، شهادة تضمنت ما يشبه شتيمة تاريخية لآيت إيدير. حينها انبرى عبد الصمد بلكبير يعرض خدماته لدحض زيف ما كتبه الجبلي. وبلباقة، رفض آيت إيدير ذلك. في مذكراته، لا تجد أي كلمة سيئة عن الجبلي.

وبلكبير نفسه على وعي بما يعنيه ذلك النسيان المفتعل لدى آيت إيدير، وهو بشكل شخصي يربح أكثر من ورائه. إن بلكبير الذي حضر اجتماع المكتب السياسي لمنظمة العمل الديمقراطي، حيث كان يجب إصدار قرار بشأن دستور 1996، ورفع عقيرته ضده، هو نفسه الذي سيظهر في اليوم الموالي على منصة المنشقين في فندق حسان، حيث سيعلن التصويت لصالح الدستور نفسه. لم يكتب آيت إيدير هذا، وظهر مكتفيا بالتلميحات. لقد رأيت في ذلك نوعا من الاستعلاء والاستصغار الصادرين عنه إزاء أولئك الذين خذلوه. لكن التاريخ لا يكتب بهذه الطريقة.

المستفيدون من هذا «النسيان المفتعل» يشعرون بالسعادة في نهاية المطاف، فسيرهم تبقى كما هي دون أن يصيبها التلويث الضروري. يمثل ذلك بالنسبة إلي، كما لجمع من الناس التواقين إلى تحديد المسؤولين عن الإخفاق الجماعي في الانتقال الديمقراطي، ضررا معنويا. إن تحديد المسؤوليات الفردية، ولو بوسيلة كالشهادة، أمر جوهري في عملية جبر الضرر الذهني لدى اليسار بوجه أخص. كان على آيت إيدير أن يعلن الوقائع كما هي، دون أي تهذيب. إن هؤلاء الذين يعاملهم بهذه الطريقة -كما يعرف هو على وجه اليقين- لم يكونوا يوما مهذبين معه ومازالوا. الشهادة لا تتلى بوازع التعفف.

لم أشعر بخيبة أمل كبيرة على كل حال من مذكرات بنسعيد. فهذا الرجل الطيب مازال يستنزف مقدرته العقلية كي يظهر لنا أن الفرص الضائعة للبلاد ليست سوى أفعال أشخاص كانوا في كرب غريب. وفي رأيي، كان على آيت إيدير أن يحدد المسؤوليات بشكل أدق، وهو قادر على فعل ذلك؛ سواء بالنسبة إلى أولئك الاتحاديين الذين كانوا يطالبونه بألا يجعل من تازمامارت موضوعا في البرلمان، أو أولئك الذين كانوا يحثونه على أن يترك المعتقلين السياسيين لمصيرهم في السجون، أو أولئك الذين كانوا فاقدي الحيلة، كما البصيرة، في مفاوضات التناوب. ثم كان عليه أن يفضح أولئك المخبرين المندسين في اليسار، ممن لايزال لكلماتهم حتى الآن صدى مسموع. لقد كان عليه أن ينزع الأقنعة بالكامل عن كل أولئك الذين شاركوا في تلك الحفلة التنكرية.

دروس التاريخ، إن جرى تعليمها بشكل متقن، ربح للجميع، لكن للنسيان المفتعل رابحين وخاسرين، وحتى الآن، أولئك الذين يربحون هم المستأسدون علينا.

شارك برأيك