في قضايا الهوية مرة أخرى – اليوم 24

في قضايا الهوية مرة أخرى

  • في النضال الأسْلَم والراتب الأدْسَم

  • الدفاع عن حقوق المغاربة أم عن حلاوة السلطة؟

رأينا في القسم الأول من هذا الموضوع، المنشور في الأسبوع الماضي، أن الهوية العامة ضرورية الوجود، كما رأينا أن الهويات الفرعية هي من تكون غير مرغوب فيها، وخاصة من قبل أنظمة سياسية لم يكتمل بناء مؤسساتها السياسية بعد. وتعتقد هذه الأنظمة أنها تمتلك الوسائل الكافية للحد من تأثير الهويات الفرعية السلبي على الشركاء في الوطن، دون ما حاجة إلى توازن المؤسسات، وهي وحدها القادرة على ضمان المستقبل المنشود من قبل الجميع. وجدير بالذكر أنه قلما وجدت دولة بدون تعدد هوياتها. فما هي السبل المؤدية إلى التغلب على ما يمكن نعته بالآثار السلبية للهويات الفرعية؟

نلحظ أن الدول التي وصلت مستوى متقدما من تحقيق التوازن بين جميع مؤسساتها، مقتضيات وممارسات، قد انحازت إلى الحكم الرشيد، وتحقيق تكافؤ الفرص للجميع، والمساواة بين الحقوق والواجبات، واتخاذ القانون مرجعا وحيدا أوحدا أمام المتقاضين والمطالبين بحقوقهم في وطنهم، وتحقيق المواطنة الفعلية والديمقراطية التي تسمح بالتداول الحقيقي على الحكم.

والواقع، أنه حيثما تحققت هذه المعايير وآليات تنفيذها إلاّ وتقلصت الآثار السلبية للهويات الفرعية على مكونات المجتمع السياسي الواحد. وبهذا، أو ما يماثله، استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية، مثلا، تجاوز هوياتها الفرعية التي تزخر بها مكونات المجتمع الأمريكي. ومن نتائج هذا التجاوز وصول مرشح من أصول إفريقية (باراك أوباما)، بعد نصف قرن فقط، من وصول والده إلى التراب الأمريكي، إلى رئاسة الولايات المتحدة. واستطاعت دول كثيرة، في الغرب وفي آسيا كذلك، أن تتجاوز منغصات مكونات الهوية السياسية المشتركة بمنهجية لا تختلف مضامين معاييرها كثيرا عن المنهجية الأمريكية. ويعلم الجميع أن مشكلات الهوية تتقوّى كلما كان التوازن في مؤسسات الدولة غائبا أو ناقصا.

ولاتزال دول أخرى في إفريقيا، وفي العالم الإسلامي عاجزة عن تجاوز ظاهرة تلك الهويات، ونعتقد بأن السبب الأساس في ذلك يعود إلى أن هذه الدول لم تستوعب مخاطرها على تفكيك النسيج المكون لها. فبعض الحكام لايزال يعتبر مؤسسات الدولة مجرد آليات لخدمة السلطة الحاكمة وقمع معارضيها باسم «الدولة»، وهي بعيدة عن مفهوم الدولة المتعارف عليه بين فقهاء القانون الدستوري، ولا تعترف باستقلال سلطات الدولة عمليا، ولا تطبيق الديمقراطية، المتمثلة في اختيار المحكومين لحاكميهم، ومراقبتهم بواسطة السلطة التشريعية والإعلام.

وغياب الوجود الفعلي للمؤسسات يخول للسلطة الحاكمة التغوّل والاستئثار بكل شيء، من الثروة إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية، والتحكم في الثقافية. وممارسة عدم تكافؤ الفرص أمام كل المواطنين، وكذا تهميش من لا يروقها. كل ذلك يُحدِث ردة فعل المكونات الاجتماعية المشكّلة للدولة، فيسود التوتر بين السلطة وتلك المكونات. والحال هذه تلجأ المجموعات المهمشة والمقصية ثقافتها من التعبير التلقائي عن وجودها إلى البحث عن ملاجئ تحتمي برموزها الاجتماعية والثقافية، بل تستنجد بالمواثيق الدولية في الموضوع، وخاصة الاتفاقية الدولية رقم 169، التي تتركز على «هوية الشعوب الأصلية»، التي تنص المادة 28 منها على اتخاذ «تدابير مناسبة لكي تُتاح لهذه الشعوب إمكانية التكلم بطلاقة باللغة الوطنية أو بإحدى اللغات الرسمية للبلد… والحفاظ على اللغات الأصلية للشعوب المعنية وتشجيع تطورها واستخدامها». كما نصت المادة 31 على ضرورة «القضاء على أي أحكام مسبقة خاطئة يمكن أن تضمرها ضد هذه الشعوب. وضمان أن تعطي كتب التاريخ وغيرها من المواد التعليمية وصفا عادلا ودقيقا ومستنيرا لمجتمعات وثقافات هذه الشعوب.»

ونعتقد بأن الدول التي لم تتوفق في توفير حقوق المواطنة والمساواة في مفهومها الدستوري، تلجأ إلى استعمال عبارات من قبيل حماية «استقرار الوطن»، و»مصالح الدولة العليا»، أو اتهام مناضلي الهوية بـ»العمالة والخيانة»، واستعارة مصطلح «التسامح» من القرنين الخامس عشر والسّادس عشر في أوروبا زمن تحولاتها الكبرى، أو اللجوء إلى توصيف دعاة الهوية بالتطرف والغلو، ورمي طلاب الحقوق الثقافية بالانغلاق والتعصب اللغوي، أو العنصرية، في الوقت الذي كان على مؤسسات الدولة القيام بمسؤوليتها في تجنيب المجتمع ما ينغص عليه حياته ويعرقل مسيرته، ونشر الطمأنينة ومبادئ حقوق الإنسان بين كل مكوناته، والعمل الجاد على تأصيل الثقافة الديمقراطية بدل التغني بها كأنها قد تحققت فعلا.

شارك برأيك