دروس موخيكا في فنزويلا – اليوم 24

دروس موخيكا في فنزويلا

  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب.. تأكلون أموال الناس بالقانون

  • هاجر الريسوني

    هاجر الريسوني: لم ألتق أبدا طبيبا باسم سمير بركاش الشرطة تصرفت معي وكأنها تريد قتلي -حوار

عندما سئل حكيم الأوروغواي، الزاهد، خوسي موخيكا، قبل حوالي ثلاث سنوات، عن رأيه في الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أجاب: «إنه ليس خائنا لبلده، لكنه مجنون مثل ماعز». هذا التوصيف، الذي أجده لائقا برجل ينطح شعبه معتقدا أنه يخلصه من الذئب الإمبريالي، صادر عن موخيكا الذي، رغم ماضيه اليساري الثوري، فتح بلده على الاستثمارات الأجنبية، وواجه الفساد بقوة، حتى إن ترانسبارنسي العالمية صنفت الأوروغواي، في 2013، بأنه البلد الأمريكي اللاتيني الأقل فسادا. بالمناسبة، فإن 2013 هي السنة نفسها التي وصل فيها مادورو إلى حكم فنزويلا، وهي السنة التي تعمقت فيها الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، واستشرى الفساد في هذا البلد الذي يشكل النفط 96 في المائة من صادراته، والذي وجد نفسه أمام انهيار كبير ومتسارع بمجرد ما انخفضت أسعار النفط، وتراجع مستوى إنتاجه في فنزويلا من 2.3 مليون برميل قبل عشر سنوات إلى 1.4 مليون برميل في الوقت الحالي. ولكم أن تتصوروا بلدا لا يصدر سوى 4 في المائة من إنتاجه غير النفطي، كيف يكون في هذه الحال.

وعندما يقول موخيكا ما قاله عن رفيقه مادورو فلأنه يرى كيف أن فنزويلا، التي هي من أغنى دول العالم بالنفط (أغنى حتى من السعودية ومن الولايات المتحدة الأمريكية)، باتت من أفقر الدول، حيث أصبح الاقتصاد الفنزويلي أسوأ من اقتصاد سوريا، الآن، بعدما شهد، في 2018، أعنف حالات تضخم وارتفاع أسعار في التاريخ، قارنها الاقتصاديون بما وقع في ألمانيا سنة 1923، وما حدث في زيمبابوي سنة 2000. لقد أكدت إحصائيات الأمم المتحدة أن أزيد من ثلاثة ملايين فنزويلي غادروا بلدهم، تحت وطأة الفقر والمجاعة، إلى كولومبيا والبرازيل والبيرو والتشيلي والإكوادور.

لقد قالها تيري لين كارل، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا، في كتابه «تناقضات الوفرة»: «بمجرد تدفق أموال النفط تبدأ المشاكل، إذ يؤدي ارتفاع العائدات إلى ارتفاع قيمة العملة وتكلفة السلع والخدمات، ما يجعل الاستيراد أقل تكلفة من الإنتاج المحلي، وبالتالي، يقل الاهتمام بالتصنيع، وتحبط جهود التنويع، وهي الحجج التي يستخدمها البنك العالمي وصندوق النقد الدولي لحث البلدان المصدرة للنفط، وغيرها أيضا من بلدان الجنوب، على إهمال الزراعة وتصنيع المواد الغذائية، والاكتفاء باستيرادها من الدول الرأسمالية الغنية التي تدعم الزراعة والصناعة والصادرات». وقبلها بسنوات، توقع ذلك خوان بابلو بيريس ألفونسو، وزير النفط الفنزويلي السابق، وأحد مؤسسي «أوبك»، وقال: «لن يجلب النفط سوى المتاعب، انظروا إلى كلّ هذا الفساد والاستهلاك. ما النفط سوى براز الشيطان، إننا نغرق في فضلات الشيطان، وبعد عشر سنوات أو 20 سنة، ستدركون أن النفط سيجلب علينا الخراب». لقد اختصر الحكيم موخيكا، أخيرا، كل ذلك بقوله: «أينما كان النفط تتبعه اللعنة، انظروا إلى العراق وليبيا». لكن الحكيم الزاهد بقدر ما انتقد السياسات الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية التي سلكتها فنزويلا منذ عهد الرئيس الراحل، هوغو تشافيز، حذر من أي تدخل أمريكي في الشؤون الفنزويلية.

ما الحل؟ شخصيا لا أراهن كثيرا على زعيم المعارضة اليمينية، خوان غوايدو، لإيجاد حل جذري للأزمة التي تتخبط فيها فنزويلا، ببساطة لأن الرجل مدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية، التي طالما بحثت عن موطئ قدم على حقول النفط الفنزويلي، تحت شعار مساعدة الشعب، كما فعلت في العراق وأفغانستان وسوريا. والآن بالتحديد أصبحت أمريكا أكثر خوفا من مزاحمة المارد الصيني، إلى جانب روسيا، لها في أمريكا اللاتيتينة، بعدما تغيرت الكثير من قواعد اللعب في الشرق الأوسط، وبعد الزحف المطرد للصين في إفريقيا. ولن نكون أمريكيين أكثر من كثير من أعضاء الكونغرس الأمريكي، ضمنهم النائبة المسلمة إلهان عمر، التي حذرت من حدوث انقلاب مدعوم من ترامب في فنزويلا، لأن ذلك، حسبها، لن يكون حلا للقضايا الرهيبة التي يواجهها الفنزويليون، وبالتالي، فإن «أي محاولة من ترامب لخلق معارضة يمينية متطرفة لن تؤدي إلا إلى إثارة العنف وزعزعة استقرار المنطقة»، تقول إلهان عمر، وهي تدعو إلى دعم جهود المكسيك والأوروغواي والفاتيكان لتسهيل الحوار السلمي في فنزويلا.

فهل تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر في فنزويلا؟ هذا أمر مستبعد، لأنها تعرف جيدا أن الجيش الفنزويلي تشافيزي العقيدة. لكن، لننصت إلى ما حكاه موخيكا، الأسبوع المنصرم، عن أنه عندما كان رئيسا للأوروغواي، سأل مسؤولا كبيرا في حكومة باراك أوباما: «ما الذي تريدونه في فنزويلا؟»، فأجابه: «نحن لا ننوي التدخل في فنزويلا، لكن هذه الدولة ستدمر نفسها بنفسها». ما الذي سيحدث في المنطقة إذن؟ «طبول الحرب تدق في أمريكا الوسطى (ليس فنزويلا فحسب) ومن الصعب تجنبها»، يجيب موخيكا في تصريحه الأخير.

شارك برأيك

#عزيز#

للتوضيح فقط عبارة (como un cabra) أي “مثل المعزة” بالاسبانية تعني ألحمق و الجنون . و عليه فكلمة مجنون تكفي للترجمة و لا داعي للقول “مجنون مثل ماعز” لأن التشبيه لا وجود له في لغة الضاد.
احتراماتي.

إضافة رد