من أجل ديمقراطية إيجابية.. – اليوم 24

من أجل ديمقراطية إيجابية..

  • من أجل اقتصاد الجهد الثوري

  • الدين والحداثة..

النقاش المثير للشفقة حول خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بالبرلمان البريطاني، يذكرنا بأنه يحدث أحيانا أن تكون ميول الأفراد عقلانية، على خلاف ميول الجموع.

منذ 1785، برهن الفيلسوف الفرنسي نيكولا دو كوندورسي أن جماعة مكونة من أفراد عقلانيين، إذا طلبنا منها الاختيار بين ثلاثة اختيارات يمكن أن تصل إلى خلاصات عبثية: مفضلة الخيار «أ» على الخيار «ب»، والخيار «ب» على الخيار «س»، لكن، ضدا على منطق الأشياء، تفضل الخيار «س»، على الخيار «أ».

قرنان بعد ذلك، في عام 1972، سيصبح جون آرو، الأستاذ بجامعة ستانفورد أصغر اقتصادي يحصل على جائزة نوبل، لبرهنته على أنه لا يمكن لأي إجراء ديمقراطي مهما كان يحترم قواعد المنطق أن يحمي هذا النوع من التناقض. بكلمات أخرى، لا شيء يضمن أن الديمقراطية تضمن اختيارا جماعيا يحترم عقلانية الناخبين.

وهذا بالضبط، ما نراه في البرلمان البريطاني في هذه اللحظة. وهو ما رأيناه في ظروف عديدة مشابهة، وهو ما يفسر خيبة أمل الناخبين من القرارات التي يتخذها المنتخبون. وكل ذلك يجب أن يجعلنا حذرين.

إذا كانت الديمقراطية أفضل نظام حكم لأنها تحمي الحريات الأساسية أفضل من أي نظام آخر، فإنها لا تضمن بشكل أكيد عقلانية القرارات السياسية.

ويترتب على ذلك أن الاستفتاء هو بدون شك، الشكل الأقل تناسبا لأخذ قرارات سياسية جيدة. أولا، لأن مفارقة كوندورسي تنطبق عليه بشكل كامل، وثانيا، لأنه، بشكل عام، نجيب في الاستفتاء عمن طرح السؤال وليس على السؤال المطروح، وثالثا، لأن مستوى إلمام الناخبين حول السؤال المطروح غير متساو. وأخيرا، لأن الاستفتاء يقود إلى شكل من أشكال التواطؤ الضمني بين القادة الأقوياء (الذين يريدون تجاوز الهيئات الوسيطة) والقوى التي تحسب نفسها على المعارضة (والتي تلعب في الحقيقة لعبة هؤلاء القادة الأقوياء بالدعوة إلى استفتاءات مباشرة).

وعلى هذا المنوال، ينزلق الاستفتاء بشكل لاشعوري من الديمقراطية التمثيلية إلى حكم فردي مدعوم بالاستفتاء. يمكن للبعض أن يرى فيه شكلا متقدما من الحكم. البعض الآخر يخطو به خطوة إلى الأمام في التطور الاستبدادي الحالي لأكثر الأنظمة عبر العالم.

قد يعترض البعض بتقديم النموذج السويسري، الذي يبرهن على أن شعبا متعلما وواعيا سياسيا يمكن أن يناقش بكل هدوء قضاياه الكبرى دون المرور عبر البرلمان. لكن هناك فرقا: السلطة التنفيذية في سويسرا ليست إلا انعكاسا مجهولا لمجتمع تأسس على التوحيد الإرادي للمقاطعات (كانتونات)، ولم يكن، مثل ما هو عليه الحال في باقي الديمقراطية، نتيجة غزو الأراضي من طرف غازٍ وضع أركان دولة قوية. أي أنه لا خشية من رؤية السلطة التنفيذية في سويسرا تحاول استعمال استفتاء لوضع أسس حكم فردي. وهذا الأمر حاسم في المقارنة.

الديمقراطية تواجه تحديات عديدة، بدءا من تحدي تماسكها الداخلي. ولمواجهة هذا التحدي يجب البحث عن حلول مستقبلية وبينها آليات تصويت تستفيد مما تقدمه التكنولوجيات الجديدة. يجب الاستفادة من هذه التكنولوجيات التي صارت تعرف باسم المبادرات المدنية الرقمية (civitech)، والتي تسمح بنقل صوت المواطنين بشكل بنّاء وبقياس رضا الرأي العام حول قضايا وقطاعات مختلفة.

في نظري، مستقبل الديمقراطية يوجد في تحالف هيئات الوساطة والبرلمان والفرص التي تتيحها التكنولوجيات الجديدة، مع أخذ مصلحة الأجيال المستقبلية في الاعتبار. هذه ما أسميها بالديمقراطية الإيجابية.

شارك برأيك