مدرسة النقل «لايت».. – اليوم 24

مدرسة النقل «لايت»..

  • تفكيك السلطوية -2-

  • في تفكيك السلطوية ـ (1) ـ

تنتصر الشعوذة في مجتمعاتنا، بوجهيها التقليدي و»التحديثي»، إنها باقية وتتمدد، وهي تبرز يوما بعد آخر أن التحديث التقني لا تواكبه بالضرورة حداثة فكرية، وتسقط تلك المقولات التي كانت تبشر أن الآلة ليست صماء ومحايدة، بل هي حاملة بالضرورة لقيم يتم تمريرها ضمنا ضمن استعمالاتها الوظيفية.. لقد استطاعت الأطر التقليدية والأنماط المضادة للتقدم والعقل أن تتحايلا على كل الفتوحات الرقمية، وتجرانها بأساليب ناعمة نحو الوراء، وسنحاول التوقف عند ثلاث ظواهر أصبحت تحتل مساحات معتبرة في الوسائط التواصلية.

أولا: ظاهرة الأساتذة/المعجزات، إنهم مجموعة من عديمي التكوين البيداغوجي والديدكتيكي من جهة، وضعيفي الثقافة والتمكن اللغوي من جهة أخرى، في أغلبهم، يعمدون إلى نشر فيديوهات غاية في الغرابة، ويخلقون أوهاما عند زبائنهم المفترضين، تتعلق بإمكانية النجاح في امتحانات الباكالوريا، مستغلين حاجة الأسر لحصول أبنائهم على تلك الشهادة، إنهم لا يقدمون حصص دعم وتقوية، بل يبيعون وهما وفق قاعدة تجارية تجعل النتيجة أهم من الوسيلة والمبدأ، لكن هذا التهافت على أمثال هؤلاء يجب أن يُسائل المناهج الدراسية وإجراءات التقويم الإشهادي التي لازالت تسمح بمرور فئة التلاميذ من أتباع مدرسة النقل (غشا أو حفظا)، فنجاح تجارة هؤلاء الدجالين يعني أن كل الكلام المكرور حول الكفايات والمهارات والتربية على الاختيار واستنبات الفكر النقدي عند المتعلمين مجرد شعارات يكذبها الواقع.. للأسف، المدرسة باعتبارها جهازا إيديولوجيا للدولة لازالت مقاومة لملكة النقد، هاته الملكة التي لا تحبها السلطة، أي سلطة: الحكم، الأب، الفقيه..

ثانيا: ظاهرة الدعاة الجدد، إنهم موجة جديدة ظهرت بعدما استنفدت الموجات السابقة من الدعاة أغراضها، فقد انتقلنا من الدعاة المنذرين، دعاة هادم اللذات، الذين كانوا يبرعون في تصوير أهوال القيامة، ويدعون إلى أخلاقية مضادة لحب الحياة، إلى دعاة الموجة الجهادية الذين تكاثروا مع «الجهاد الأفغاني»، واستمروا حتى ما بعد الغزو الأمريكي للعراق، ليتسلم مشعل «الدعوة» اليوم، نوع آخر من الوعاظ، الذين استعادوا الوظيفة السلطانية للوعظ، وعاظ على وئام مع الأنظمة، وعاظ  بوجوه حليقة يتحدثون عن كيفية التعامل برفق مع الخادمة، أو حض الرجل على اصطحاب زوجته للمطاعم، دعاة على مقاس الطبقة البورجوازية، لا يجدون حرجا من الاستثمار في برامج تلفزة الواقع، وبيع منتجهم لشركات الإشهار، دعاة يقيمون صلحا بين الدين وأخلاق السوق، وهكذا نمت سوق الدين الاستهلاكية: برامج بمسشهرين كبار، أغطية رأس بتوقيع ماركات عالمية، سجادات فاخرة ببوصلة تشير لاتجاه القبلة، رحلات عمرة «لايت» مع حجز في فنادق فاخرة.. ومع هذا الصنف نبت بجواره صنف الوعاظ الذين لايزالون محافظين على السمت الكلاسيكي (اللحية المسدلة والجلباب)، ولكنهم يبيعون بضاعتهم عن طريق التهريج والإضحاك، فيخفون فقرهم العلمي والفقهي في القياس والمقاصد وأصول الفقه وعلوم القرآن والحديث، عن طريق النكت التي تستهوي العامة، مما يجعلهم «بودكاسترات» أكثر منهم دعاة.. وكلا النوعين: «اللايت» والمهرج يفرغان الدين من أي نزوع رفضوي أو احتجاجي، إنهم ينتجون تأويلات متدثرة بالدين تجعله متصالحا مع استبداد السلطة وتوحش السوق وقيم الطاعة والقدرية.

ثالثا: دجالو التنمية الذاتية، هؤلاء الذين استوطنوا المحطات الإذاعية، وتكاثروا كالفطر، الفطر السام في أغلبه.. يسطون على تخصصات، دون التمكن منها خرط القتاد، كعلم النفس وعلم الاجتماع وفلسفة اللغة.. وإذا كان البعض عن حق يدعو إلى كف «فم» الفقهاء عن الإفتاء في مجالات بعيدة عن تخصصهم كالطب مثلا، فأحرى كذلك أن يتم وقف مشعوذي البرمجة العصبية اللغوية عن التحدث في علوم وتخصصات دقيقة.. وخطر هذه الفئة أنها تخلق وهما عند طالبي استشارتها ممن أعوزتهم الحيلة، بإمكانية تجاوزهم لأي معضلة كيفما كانت طبيعتها بمجرد القيام بتمرينات متهافتة، لا تخرج عن قاعدة: النظر لكأس الماء المملوء (دون الانتباه أحيانا أن الكأس فارغ تماما)، أو قاعدة: تغيير زوايا النظر وخلع النظارات السوداء.. تمارين لخلق الأمل في زعمها،، لكنه أمل خادع، مادام أنه يلغي شرطا أساسيا،، وهو شرط الواقع المادي الذي يسبب المأساة.. ففي حالات يجب أن تتجه الإرادة نحو الثورة على الواقع، لا نحو تمرين الذات على التصالح معه والقبول به.. يعلمك دجالو التنمية الذاتية كيف تشتغل لاثنتي عشرة ساعة في اليوم دون كلل وبمتعة بدل أن تطالب بحقك في ساعات عمل يومية لا تتجاوز المعقول.. لذلك يحب المديرون العامون للشركات الكبرى هؤلاء الدجالين الذين يحولون الأجراء إلى عبيد بمحض إرادتهم متوهمين أنهم في طريق النجاح..

مدرسة الحفظ والاستظهار، والفقهاء «اللايت» والمهرجون، وسحرة التنمية البشرية لا يزعجون السلطوية: إنهم سدنه معبد النقل وتأبيد واقع التراتبيات.

شارك برأيك