دعوة إلى عشاء – اليوم 24

دعوة إلى عشاء

  • منير أبو المعالي

    يوم الملك

  • منير أبو المعالي

    منير أبو المعالي يكتب.. ثكنة المطافئ

كلما قرر عبد الإله بنكيران أن ينفذ «غارة تواصلية»، وهذه هي السمة المميزة لطريقته في الحديث، كان هناك متضرر رئيس ومتضررون ثانويون. لنتحدث، أولا، عن الضحايا الثانويين، فهم كثر. إننا بتنا مستأنسين بقائمة الأهداف القصيرة التي يصوب نحوها باستمرار، ومن السهل تقييم الخسائر بعدها. في إحدى المرات، تسببت «غارة» في إخلاء وزراء التجمع الوطني للأحرار مقاعدهم في مجلس حكومي. وعلى كل حال، لا تتغير مكونات هذه القائمة كثيرا، فقد يضاف إليها صحافي أو صديق قديم، وقد ينقص منها رئيس حزب، أو رفيق سلاح متخاذل. لكن أهداف بنكيران الحيوية تكاد لا تتزحزح. وحتى وإن أنكر أولئك الذين يكونون هدفا لتصويباته وجود أي خسائر، فإننا نستطيع تلمس الجروح بشكل ظاهري.

مفهوم التواصل عند بنكيران يمتلك بعض مقومات الإعلام الحربي. يكاد الرجل يتحسس مسدسه كلما سمع بعض الأسماء، كما كان يفعل صناع الدعاية النازية في ما مضى. لقد حشروه في غرفة الضيوف بمنزله، وحرموه من أي منصة مباشرة للحديث مع الحشود المتحمسة له، لكنه، كما نعرف، وباستعمال سائق في غير وظيفته، وبواسطة كاميرا هاتف، وتقنيات بسيطة وغير مكلفة، نجح في تحويل تلك الغرفة إلى قاعدة عمليات خلفية لتلك الغارات. لقد نزعوا منه جمهوره، دون أن يستطيعوا تكميم فمه. ومن اليسير أن تقرأ في نصوص منتقديه تلك الدعوة الصريحة إلى جعله يصمت.

الطريقة التي يعمل بها بنكيران مضرة لنسق سياسي يتحرك ببطء؛ إننا نشهد رجلا وجد نفسه مجبرا على التقاعد، لكنه يرفض أن يستمر في حياته مسنا يطلب راحة البال، كما فعل عبد الرحمان اليوسفي وعباس الفاسي قبله، وتلك حكمة من كليهما يرفض بنكيران الاقتداء بها. لكن، لمَ يجب أن يخيفنا قول شخص نحاول إقناع أنفسنا بزواله الفعلي؟ في الواقع، هناك بعض الصعوبة في فهم ما يخطط له هذا الرجل، فقد أزيل اسمه، كما صوره، من كل النصب المؤسساتية التي ينبغي أن تذكرنا به. إنه شخص من الماضي، أو، على الأقل، هذا ما يجب أن يكون عليه. وكل الترتيبات المتخذة حتى الآن تشير إلى أن بنكيران ليس أكثر من مسن كثير الثرثرة؛ وعلينا، مثلما نفعل في هذه الحالات، ألا نلقي له بالا. لكننا لا نفعل!

هناك شيء جدي يدفعنا إلى الانتباه إلى تصريحاته، وربما يكون ذلك الإحساس بأن الرجل يملك معلومات من شأنها التأثير في مسارات يجري ترتيبها بعناية، أو لأننا نشعر بالفزع من تلك الإمكانيات السريالية لعودته مجددا مثل طائر الفينيق. لكن، لمَ علينا أن نخشى تفكيره في العودة؟ إن بعض المعلقين، على ما يبدو، عندما ينظرون إلى هذا الأمر من الزاوية، تكاد تتحسس ذلك الخوف وكأنه سيأكلهم بمجرد ما ينبعث.

لكن، ليس جميع الناس خائفين؛ فهناك من يعتقد أن لبنكيران دورا رئيسا مستقبلا، ليس دفاعا عن الملكية، كما يزعم هو، فهذه الوظيفة قد لا تتجاوز ظرفيتها، وإنما لملء الفراغ.

هذا الفراغ المفتعل، والمعلق على حيثيات مستقبلية غير محسومة، لا يشعر أحدا بالرهبة مثل سعد الدين العثماني. يمكن أن يدمر بنكيران زخما تواصليا مكلفا لعزيز أخنوش، بنقرة من هاتف سائقه، لكن رئيس «الأحرار» لا يبدو شخصا مازال يصدق أن معركته الرئيسة هي مواجهة شخص قابع في غرفة ضيوف منزله. يتصرف أخنوش مع بنكيران باعتباره شخصا هامشيا يجب نسيانه، وهو بشكل عام، وباستثناء بعض الشكاوى الضمنية، يحث المتحلقين من حوله على التصرف على هذا الأساس، حتى وإن كنّا نشتم في ذلك بعض التصنع الذي يفسده بعض قادة حزبه الذين تنسيهم حماسة الحشود الاصطناعية رؤية الخدوش العميقة على وجوههم. لكن لا يهم؛ فحروب المصداقية تربح بالجمل القصيرة عندما تصدر عن الأشخاص المناسبين.

الأهم هو ما يحدث للعثماني كل مرة، وكل أسبوع، يظهر فيه بنكيران على صفحة سائقه في «فايسبوك». رئيس الحكومة الحالي يحاول إدارة سباق مماثل، لكن خطته لا تنجح، ربما لأن الناس ألفوا «الحفلات الصاخبة» لبنكيران أكثر، ولأن الأصوات الصادرة عنها تسمع بشكل أوضح. يتحول الفاعل الرئيس في الحزب والحكومة معا إلى شخصية هامشية مفتقرة إلى الزخم، وغير مدركة للحدود التواصلية التي باتت مجبرة على التقيد بها. ليست المشكلة في التمايز الحاصل بين شخصيتين، لكن في مضمونهما. لا يستطيع العثماني إدارة تناقضاته أمينا عاما ورئيس حكومة، فيما ينجح بنكيران في جعل تناقضاته بين الماضي والحاضر حروب استعادة. والنَّاس، عموما، لا يمكن أن يأخذوا على محمل الجد رئيس حكومة تسير برأسين، وبمنطقين، يدير مشكلته الأساسية في عتمة طاولة غذاء أكل في واضحة النهار. لدى العثماني مشكلة في تقييم مقدراته، لذلك، يظهر للكثيرين وكأنه مصدر للطاقة السلبية. رئيس حكومة يوحي لك بأن بمقدورك هزمه دون خوض معركة حقيقية، سيكون لقمة سائغة للاعب التالي المنتظر على دكة الاحتياط.

حينما يفشل الضعفاء في معاركهم مع أنفسهم، يميلون عادة إلى الاقتباس من كتب التنمية الذاتية، فهم يعثرون داخلها على القوة وهي غائبة، لكنها ليست أكثر من شعوذة عصرية. إن من يسعون إلى إقناع أنفسهم بأن كثرة التواصل تقتل التواصل، إنما يحاولون إخفاء فشلهم التام في التواصل. وكنتيجة عكسية، ينفخون في حجم الخصم الذي يصنعونه لأنفسهم دون أن يكون خصما فعليا. يستفيد بنكيران من هؤلاء الهواة كثيرا، فهم يجعلون من وجوده بندولا لتصحيح الوزن داخل الحزب كما الحكومة.

العثماني ضحية رئيسة لبنكيران، هذه حقيقة محزنة، لكن، وصدقوني في هذا، إن أخنوش سيأكل العثماني في قضمة واحدة إن انفرد به في العشاء الذي سيدعوه إليه عام 2021.

شارك برأيك