حياة للعرض.. – اليوم 24

حياة للعرض..

  • عن الأمن والريف وبوعشرين..

  • الهروب..

هاتفي المحمول يحفظ عاداتي في الاستيقاظ والتصفح والكتابة والاتصال والمراسلة والتنقل. ويُذكّرنِي كل مرة بما نسيت منها. مثلا، يقترح عليّ تشغيل المنبه على الساعة التي ضبطته عليها نهاية الأسبوع الماضي، أو خلال أيام  الأسبوع، وحين أبدأ كتابة جملة يكملها من أجلي، وأحيانا يحمل عني عناء الكتابة برمته: أملي عليه وهو يكتب. أكثر من ذلك، في محادثاتي بات يقرأ الرسائل التي ترِد عَليّ ويقترح عليّ الأجوبة المواتية لها حتى قبل قراءتي لها، أحيانا كلمة أو كلمتان مثل «سأرى..»، «طيب نلتقي غدا»، «دمت بود»، «لِما لا؟»، وأحيانا جملا كاملة.

مؤخرا، كتبت رسالة من جملتين، ثم حذفتها، حذفتها بصفة نهائية، وبعد حين، لتقلّب الأحوال، ندِمت وبدأت كتابتها من جديد، ما إن كتبت أول كلمة حتى أتاني بالجملتين المحذوفتين. من أين وكيف؟ هل بات هذا الهاتف يتمرد على أوامري؟ بحثا عن تفسير مقنع لهذا العصيان قدت حملة تفتيش عاجلة في أرجاء الهاتف. لاحظت أن هناك طبقات من «الجواسيس» التي تشتغل في داخله. مثل أجهزة المخابرات، متعددة وبمهام مختلفة. هناك مثلا التطبيقات (تطبيقات التحرير أو المحادثة وما إليها)، ثم نظام التشغيل (مثل أندرويد)، ثم ما يحفظ في حافظة القصاصات (Clipboard) بذاكرة الهاتف، ثم ما ينسخ إلى شريحة الذاكرة الإضافية، وأخيرا، وليس آخر الذكاء الاصطناعي الخاص بهاتفك الذكي نفسه. وهذه طبقات معلومة من «المتلصصين»، وهناك طبقات خفية.

لنبقى في الطبقات المعلومة، أو قل «الجواسيس الأصدقاء»، الذين يتجسسون عليك من الباب وبرضاك وترخيصك الكامل. حين بحثت عن أي واحدة من تلك البرامج احتفظت بالرسالة رغم حذفي لها، وجدتُ أنها ذاكرة خاصة بالهاتف الذكي الذي أستعمله، مستقلة عن التطبيقات وبرامج التحرير وحافظة القصاصات وكل شيء. كنت سعيدا لأنها أنقذتني من ضياع باقتين من الكلمات المهمة بالنسبة إليّ، ومرتابا من انعكاسات ذلك. بحثت أكثر، فوجدت تاريخ الكلمات التي كتبتها كلها مخزنا بتلك الذاكرة المنفصلة المستقلة. كنز من الكلمات. بفعل التكرار والزمن، بات هذا الجاسوس الصغير في جيبي قادرا على استباق كل ردودي. كان جزء معين في رأسي يذكرنِي بقراءاتي في هذا المجال وكأنه يقول لي:»ما لك منبهر؟ ما الجديد في كل هذا؟». الإنسانية برمتها تتجه بسرعة جنونية إلى تقاسم كل شيء مع كائنات الذكاء الاصطناعي. لكن العلم بالشيء يختلف عن الاحتكاك به أو الوقوع ضحية له. للحظات، تذكرت «سامانثا»، تلك الحبيبة الرقمية، كما تخيّلها سبايك جونز في فيلمه الفلسفي العميق «هي» (Her). ثم تهاطلت على ذهني أفلام أخرى حاولت مقاربة علاقة الإنسان بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

شعوري بالغرابة زاد وأنا أتصفح بعض المحتويات في يوتوب. «رشّح» لي هذا الأخير فيديو لفتاة تحكي كل شاردة وواردة في حياتها للعالم، فتاة مغربية. فتحت الفيديو، فإذا بيوتوب يُرشح لي فيديوهات مشابهة أخرى لمغربيات أخريات. هكذا تعمل الخوارزمية، تُغرقك في ما تحب. كنت مندهشا تماما من هذه «التعري» الطوعي للعالم مقابل جمع علامات الإعجاب، أو ملأ الفراغ أو إثبات الذات. من العكر إلى أطفالك الصغار – واستغلال الأطفال في البرامج يطرح علامات استفهام عديدة- إلى المطبح وغرفة النوم ودولاب الملابس وزليج المرحاض والسطح والبهو والمقاهي والسيارة. هل الأمر طبيعي؟ وهنا سرحت بيّ الذاكرة مرة أخرى في فيلم آخر هو فيلم «الدائرة».

يحكي الفيلم قصة الشابة ماي هولاند (إيما واتسون) التي تظفر بوظيفة الأحلام لدى شركة تواصل اجتماعي عملاقة تُدعى The Circle، لتكتشف مع الأيام أن الشركة تخطط لنسف ما تبقى من خصوصية الأفراد. فمورسر (توم هانكس)، أحد مؤسسي شبكة «ذي سوركل» يطمح إلى تشجيع المستعلمين على المضي قدما في عصر «الشفافية» من خلال حمل كاميرا صغيرة تحمل اسم «Seechange» بصفة دائمة لتنقل أدق تفاصيل حياتهم من لحظة الاستيقاظ حتى لحظة النوم، إلى درجة يصير من يمتنع عن تعليق هذه الكاميرا مشكوكا في أمره. فبما أنه لا يريد عرض حياته، لا بد أنه يخفي أمورا مريبة، ومع سيطرة هذه الفكرة تربح الشركة ويصير الانكشاف الكامل هو الأصل، والستر هو البدعة. ثم عدت إلى برامج صاحبات تلك القنوات في المغرب، وإلى هاتفي المتلصّص، وفي لحظة اختلطت عليّ الأمور. لم أعد أعرف أي جزء يعود للحقيقة، وأي جزء يعود لعالم السينما والخيال.

شارك برأيك