نافخ الكِير في بلاد الحرمين – اليوم 24

نافخ الكِير في بلاد الحرمين

  • الديمقراطية المغدورة

  • الحزب الأغلبي.. هل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟

يبدو أن العلاقات المغربية السعودية دخلت نفقا لا يمكن تصور نهايته، ومن المؤكد أن الرعونة والخفة التي تُدار بها اليوم، كثير من القضايا الكبرى والاستراتيجية في السعودية وباسمها منذ تسمية محمد بن سلمان وليا للعهد، ستُلقِي بالمزيد من الجمر على براميل البارود المشتعلة في أكثر من مكان، فولي العهد السعودي، الذي يمثل تعيينه في ذلك المنصب انقلابا سياسيا داخل أسرة آل سعود وخروجا على نمط انتقال الملك بها منذ عهد الملك المؤسس، يمارس السياسة بكثير من الاستعلاء الذي يخفي حقيقة الشخص ومحدودية تكوينه وخبرته. فمحمد بن سلمان، وبعدما حجم دور الأسرة الحاكمة وقضى على توازنها الداخلي، الذي حفظ لها كل هذه السنوات حكم مملكة لها أهميتها في العالم، أضحى يعتقد أن الجميع عليه أن يدور في فلك بلاده سلبا أوإيجابا، وأن الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لا يمكنها سوى أن تكون رجع الصدى لمواقف السعودية، وأن تلك الدول لا حق لها في أن تتجاوز وظيفة التبعية للرياض أو أن يرتفع طموحها إلى ما فوق ذلك، وبطبيعة الحال يتم ذلك مع عدد من الدول بكثير من الإهانة وقلة القيمة والتقدير، وحده ترامب الذي يصفع ابن سلمان على خده الأيمن فيدير له خده الأيسر وهو يبتسم…
هناك أوجه خلاف كثيرة بين المغرب والسعودية، ومن الجائر وضع مقارنة بين المملكتين، ليس فقط، بمنطق التاريخ، ولكن بطبيعة البنية الاجتماعية التي يقوم عليها النظامان، فإذا كان النظام السعودي حديث العهد قائما على العشائر والقبائل وفائض الثروة النفطية، فإن النظام الملكي في المغرب ضارب جذوره في أعماق التاريخ، هذا العمق يمنح الملكية في المغرب خصوصية، ربما، لا تضاهيها فيها سوى الملكيات العريقة في أوروبا، لهذا فكل من يتعامل مع المغرب، من واجبه أن يأخذ بعين الاعتبار هذه الوضعية.
محمد بن سلمان وبحكم افتقاره التجربة والبطانة الصالحة، يتصرف كأي طفل مدلل يحصل على كل ما يرغب فيه، ولا يرتدع إلا بالقوة أو بالإهانة كما يفعل معه ترامب في كل مناسبة، فولي العهد السعودي الذي يعتبر الحاكم الفعلي للسعودية، لم يتقبل موقف المغرب المحايد في الأزمة الخليجية وإصراره على علاقات طبيعية مع الدوحة، وهو موقف متزن ومتوازن في إطار نوع من الحياد الإيجابي، خاصة وأن الأزمة كانت تهم أهم تكتل عربي متمثلا في مجلس التعاون الخليجي، في ظل واقع التشرذم العربي، وفي ظل تحديات تحيط بالمنطقة منذ الربيع العربى والثورات المضادة التي لعبت فيها السعودية دورا مهما وحاسما.
الملك محمد السادس، وفي خطابه أمام القمة المغربية الخليجية، اعتبر أن مصير المغرب مرتبط بمصير المنطقة، هذا هو ما يحكم نظرة المغرب لعلاقاته بالمملكة العربية السعودية وبلدان الخليج الأخرى، وهي علاقات لها طابعها الخاص منذ عقود، وغالبا ما طغى عليها نوع من التطابق في كثير وجهات نظر، لكن، دائما، في إطار الاحترام المتبادل.
ردود الفعل السعودية اليوم، على استقلالية المغرب في علاقاته الخارجية، تتسم بكثير من الخفة والرعونة، وبكثير من الجهل والاستفزاز بداية من التصويت على الملف الأمريكي الكندي المكسيكي لتنظيم كأس العالم لكرة القدم والتصريحات شبه الرسمية التي رافقتها، ووصولا إلى توظيف ملف الصحراء المغربية في تقارير تلفزيونية لقنوات سعودية كقناة «العربية»، التي أدارت السكين في جرح الصحراء المغربية، وهو ما يعني أن من يقود فعليا بلاد الحرمين الشريفين ليس سوى نافخ الكير.. وعلى هذا الأساس يمكن توقع كل شيء من قبل هذا النظام الذي يحافظ مثلا على علاقاته بطهران، حيث أحرقت سفارته، ويقوم بمحاصرة قطر بحرا وبرا وجوا لأنها تحافظ على علاقاتها مع إيران.
لقد حاول المغرب، رغم العلاقات المتوترة، أن يحتفظ بصورة إيجابية عن علاقته بالسعودية، وأن يترك الوقت للوقت، ذلك حتى في ظل تصاعد لهجة التوتر، لكن يبدو أن بلاط آل سعود افتقد للحكمة، وما عاد يستمع إلى الكفاءات وذوي الخبرة، وهو ما جعل الخلافات تطفو على السطح، فمحمد بن سلمان لا يميز بين دولة عريقة وبين دولة «حديثة»…
الإشكال اليوم، هو أن ولي العهد السعودي لازال شابا وإذا نجحت خطته في بسط نفوذه على جميع مؤسسات الدولة في السعودية، فيمكن توقع أي شيء بخصوص قضية الصحراء المغربية، والتي لا يقبل المغاربة أن تكون موضوع ابتزاز أو مساومة. 6

شارك برأيك