مثقف السلطة – اليوم 24

مثقف السلطة

  • الملكية والتعليم والتفسخ الديمقراطي

  • نهاية اللعبة

«مهمة المثقف والمفكر تتطلب اليقظة والانتباه على الدوام، ورفض الانسياق وراء أنصاف الحقائق أو الأفكار الشائعة باستمرار» .. إدوارد سعيد

كثيرا ما تسمع هنا وهناك اتهامات وانتقادات لاذعة وجارحة، على أن ذلك الشخص أو غيره هو مثقف السلطة، وحتى حينما يعصف بها في وجهي أحد ما، أبتسم وأسأله عن أي سلطة يتحدث؟ وما حدود علاقة المثقف بالسلطة؟

صحيح أنه في الماضي حينما لم تكن هناك وسائل للاتصال بشكلها المتطور كما هي عليها اليوم، كان لمثقف السلطة دور كبير في الدفاع عنها، وفي التفكير لها، وفي ظل ظلم السياسة يقوم بدور تبريري للكثير من قراراتها المنحرفة، مادام يلعب دور الحارس الأمين لها. أما الآن، فمن الصعب جدا الاستمرار في الحديث عن دور مثقف السلطة بهذا المفهوم، نظرا إلى انفتاح الدولة ومغازلتها للفكر الحقوقي، وخلق بدايات أولى للمسار الديمقراطي.

إلا أنه بعدما انتفض المحافظون في زمننا، وفرضوا أنفسهم في الساحة السياسية، لم يجد المثقف مسلكا واضحا في مساره السياسي، هل يقف في مواجهة السلطة التي في بعض من مطباتها العصف بالديمقراطية، إما لأسباب اقتصادية أو للدفاع عن نفسها أو رغبة منها في استرداد السلطة التي فقدتها إبان الحراك؟ أم يعانق المحافظين لأنهم هم، كذلك، يرفعون شعارات الديمقراطية التي بواسطتها وصلوا إلى السلطة، ولكن سرعان ما انقلبوا عليها بوعي أو بدونه؟

وهكذا، نلاحظ أن بعض المثقفين قد انزووا على ذواتهم في محاولة لاسترجاع ماضيهم، لأنهم رفضوا الارتماء في أحضان السلطة ضدا على المحافظين، والبعض الآخر اعتبر أن التحالف مع السلطة ضرورة مرحلية لمواجهة الفكر المحافظ، وآخرون شتموا الجميع (من محافظين وسلطة)، لكنهم لم يجدوا موقع قدم في ساحة المعركة، لأنهم فقدوا القدرة على تحديد الموقع.

وفي اعتقادي أنه إذا كانت الخطوات الخجولة للسلطة نحو الديمقراطية تفرض علينا سياسيا القبول بهذا التدرج، فإننا كمثقفين يجب أن نعززها بمشروع حداثي ذا بعد مستقبلي، دون تغييب الأصالة حتى لا يختزلها البعض في مشروعه بهدف احتكارها، خاصة وأنهم يقدمونها كعنصر مشترك يقربهم إلى السلطة أكثر من الآخرين، ليبرروا انصهارهم في السلطة التي وصلوا إليها من خلال نقدها.

ومهما يكن، فلم يعد من المقبول أن يتحول المثقف إلى ببغاء يردد ما تقوله السلطة، أو حتى دمية تُحركُ خيوطها كما تشاء، لأن الدفاع عن الدولة هو في نهاية المطاف دفاع عنها في بعدها الديمقراطي، وفي احترامها للمؤسسات وحمايتها للحريات، وفي استقلالية تامة للمثقف نفسه. ومن جهة أخرى، فإن دفاع المثقف عن الدولة في مواجهة الفكر المحافظ، لا يجب أن يمنع حق هذا الأخير في التعبير عن رأيه وعن حقه في الوجود، شريطة أن يتوقف على توظيف العقيدة أو التهديد بالمساس بالحريات الفردية والجماعية، لذلك أعتقد أن أزمة الخلاف الموجودة في الساحة السياسية حاليا، يكمن حلها في قبول الآخر والانفتاح عليه والدخول معه في حوار مفتوح، حتى نستطيع معا أن نجد حلا وسطا، ومجالا نلتقي فيه حول الثوابت والخيار الديمقراطي.

مثل هذا الحوار يحتاج إلى شجاعة، فضلا عن أنه يتطلب تقديم تنازلات كبرى، سواء من المثقف أو من السلطة، أو حتى من القوى الحداثية، وكذلك، من القوى المحافظة، وذلك من أجل ضمان بناء دولة حداثية وديمقراطية تستند على بعدنا الوطني التاريخي الزاخر بحسن إدارة الاختلاف.

إن الوضع السياسي والاقتصادي لبلادنا، أصبح يفرض علينا التعامل بنوع من السمو عند ممارستنا لخلافنا الديمقراطي، ويمنع على المثقف الذي يدافع عن السلطة بأن يكون موظفا لديها يبرر لها أخطاءها، ويفرض، أيضا، على الحداثيين أن يفتحوا حوارا بينهم بعيدا عن الحسابات الصغيرة والضيقة، ويتطلب من المحافظين القبول بشجاعة اتخاذ خطوات جريئة وتنازلات قوية ومؤلمة، من أجل المساهمة في بناء الدولة الوطنية الديمقراطية، وذلك لن يتم إلا بمراجعات فكرية، وإعادة النظر في الكثير من الممارسات السياسة.

إن مساهمتنا جميعا في بناء مستقبل المغرب، تكمن مشروعيته في حسن إدارة الاختلاف، وكذلك، في مدى قدرتنا على اتخاذ قرارات جريئة تسمح ببناء مستقبل أفضل.

شارك برأيك