تعديل الدستور… نقاش مُقَنّع – اليوم 24

تعديل الدستور… نقاش مُقَنّع

  • الأحزاب والاحتجاجات… الوساطة والسمسرة

  • لننتبه… من معنا ومن ضدنا!

يعرف المشهد الإعلامي الوطني، استئناف نقاش لا يبدو بريئا، حول مراجعة الدستور، تحت طائلة معالجة وضعيات سياسية، لم تحسم فيها مقتضيات الدستور الحالي، خاصة المتعلقة بتشكيل الحكومة، القادرة على الاستجابة للمطالب المتزايدة، ولعب دور في تسريع تنفيذ القرارات والاستراتيجيات.

بطبيعة الحال، النقاش حول مراجعة الدستور، ليس محرما ولا ممنوعا، لكنه لا يمكن أن يكون مفيدا، إلا إذا تمت إثارته في سياقات عادية، تحترم التراكم، وتجد مبررا في أعطاب موضوعية أفرزتها الممارسة السياسية، بفعل تدافع وصراع ديناميات حزبية أو غيرها، مستقلة وغير مصنوعة أو موجهة.

وحتى تكون مراجعة الدستور ذات معنى وذات إضافة، وجب أن تستهدف المستقبل، بعنوان التطوير والتقدم، في التعبير عن إرادة الأمة، وفي تنظيم وتوزيع السلط، وتحقيق التوازن والتعاون والتكامل فيما بينها، ومعالجة الاختلالات وسد الفراغات المسجلة، بما يقلص هامش التأويل الذي يمكن الاستناد عليه، لإفراغ النص من المضمون وجعله بدون روح.

لكن أن يتم فتح نقاش تعديل الدستور من جهة واحدة، وفي سياق يعتمل فيه مخاض قاسٍ، باستعمال أسلوب «خلق الحاجة» وإن كانت وهمية، يدخل الشك والريبة في الأسباب الحقيقية، التي تقف خلف هذا الموضوع.

وللتذكير، فإن الدعوات المقنّعة لتعديل دستور 2011، وخاصة الفصل  47 منه، ليست جديدة، فقد أثيرت أواخر أكتوبر 2016، بشكل رسمي من قبل حزب معروف، خرج لتوه منهزما من انتخابات 7 أكتوبر غير القابلة للنسيان، ادعى أنه رفع مذكرة للملك، قال فيها إن دواعي مذكرته تتعلق بما سماه فراغا معياريا، غير أن الحقيقة أنه كان يحاول مداراة هزيمته الانتخابية وانهياره السياسي، وكان يحاول تقديم عرض للالتفاف على نتائج الانتخابات، مستدركا بشكل مفضوح على انتصار الملك للدستور بتعيينه الأمين العام -حينها- للحزب الفائز رئيسا للحكومة طبقا لمقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 47 المراد إعدامها.

اليوم، يتجدد النقاش نفسه، وربما من الجهة نفسها، والتي تختلف تمظهراتها من مرحلة إلى أخرى، وتنتقل روحها من حزب إلى آخر حسب تغير المعطيات والظروف، وهدفها هو ترسيم الارتداد الجاري منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة، ومحاولة تبييض ما عُرف بـ»البلوكاج» الحكومي، الذي أطاح بعبدالإله بنكيران من رئاسة الحكومة، وتقديمه وضعية سياسية مفترضة ومحتملة بشكل دائم، تجعل من الخروج عن مكسب تعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز في الانتخابات، أمرا لا مفر منه، وبالتالي، نقل التعيين من معيار نتائج الانتخابات، إلى معيار الأغلبية البرلمانية، التي يسهل تحصيلها بعيدا عن اتجاه أصوات المواطنين، بالنظر إلى التجربة المغربية في صناعة الأغلبيات بالتحكم في ما يسمى بالناخبين الكبار، ولنا في طريقة صناعة جل أغلبيات مجالس الجهات، وكذا في طريقة «تنصيب» رئيس مجلس المستشارين، خير مثال.

ربما يكون هذا المعيار قابلا للنقاش والاعتماد، لكنه يضع مصداقية العملية الانتخابية على المحك، ويمكن أن يجعلها مجرد عملية شكلية، غير ذات جاذبية عند المواطنين، مما سينعكس سلبا على نسبة المشاركة والتصويت، بما قد يخل بمشروعية المؤسسات والحياة السياسية برمتها.

من الواضح أن اللجوء إلى هذه الطرق الملتوية، التي تدندن حول معيار تعيين رئيس الحكومة، تقف خلفها معطيات ومؤشرات، تقول بأن حزب العدالة والتنمية، وعلى الرغم من كافة الضربات، ومحاولات الإضعاف من الداخل والخارج، مرشح للفوز بالانتخابات المقبلة، لذلك وجب الإسراع بتعديل الفصل الذي يخول له نصا وروحا، ترؤس الحكومة لولاية ثالثة، حتى لا يضطر خصوم التأويل الديمقراطي للدستور، إلى حيلة «البلوكاج»، التي لطخت سمعة السياسة في المغرب، بعد تدبير حكيم لفترة «الربيع العربي»، جعل منه نموذجا متميزا في المنطقة. إن الدستور، وإن كان ليس مقدسا ولا وثيقة غير قابلة للمراجعة، لا يجب أن يخضع تعديله للأهواء أو لاستغلال تغير ظرفي في موازين القوى، كما لا يقبل أن يستعمل سلاحا بيد أطراف ضد أطراف أخرى، وإنما المطلوب أن يكون فوق صراعات السياسة المعنية بتدبير اليومي، معبرا عن توافقات كبرى تراعي تاريخ الدولة ومستقبلها، وتعزز لحمة المجتمع ووحدته، خاصة في هذا السياق الدولي المتسم بتفكيك دول ومجتمعات لها نصيب من التجذر والعراقة، لم تُحسن نخبُها التصرف، فجنت على رصيد أوطانها وشعوبها.

شارك برأيك