الحكم بالترقيع – اليوم 24

الحكم بالترقيع

  • يتنحاو گاع

  • توفيق بوعشرين

    الخارجية الأمريكية: صحافيو المغرب مستهدفون بتشويه السمعة

كما هو الحال مع كل حدث اجتماعي يفضي إلى «حوار» مباشر بين الشارع والدولة، تقدم الاحتجاجات التي يخوضها الأساتذة المتعاقدون حاليا دروسا جديدة تفيد في قراءة المشهد السياسي العام في المغرب، في ظل غياب، أو تغييب، الواجهات المؤسساتية والعلمية المفترض فيها تقديم هذه القراءات.

وبغض النظر عن الموقف من التطورات السريعة التي عرفها هذا الملف نهاية الأسبوع الماضي، فإن الخلاصة الأساسية التي لا تخطئها العين، هي استمرار حالة الفراغ السياسي والمؤسساتي المهول، والمنذر بالخراب. فقضية اجتماعية فئوية (وإن كانت أكبر من ذلك في العمق) لبضعة آلاف من الشبان المطالبين بالترسيم بدل التعاقد، كانت كافية لتخرج تناقضات الحكومة، وتضارب الإشارات الصادرة عن الدولة، ما يؤكد استمرار حالة التخبط والتدبير الترقيعي، وغياب رؤية سياسية في التعاطي مع أزمات المجتمع المستفحلة.

لننظر إلى حجم التناقضات الصادرة عن الدولة في الأسبوع الماضي فقط؛ ففي الوقت الذي كانت فيه القوات الأمنية توقظ الأساتذة المعتصمين بعد منتصف الليل لتفرقهم بالقوة، كانت الحكومة تستيقظ صباحا لتعلن استعدادها للحوار والتجاوب مع المطالب. وداخل هذه الحكومة، نجد رئيسها، الذي طال صمته، يخرج ليعلن أنه استخدم سلطاته، وأمر وزير التربية الوطنية بمحاورة النقابات التعليمية بحضور الأساتذة المتعاقدين، فيما يبادر الوزير المعني إلى نفي دعوة أي ممثل لهؤلاء الأساتذة إلى حضور الاجتماع، الذي عقده أول أمس السبت مع النقابات. بل إن التناقض يطال سلوك الشخص الواحد، حيث خرج الوزير أمزازي، عصر الأربعاء، في ندوة صحافية طارئة ليقول إن التعاقد خيار استراتيجي للدولة، ثم وقع في السبت الموالي بيانا يعلن التنازل عن «كلمة» التعاقد، واعتبار المحتجين أطرا في الأكاديميات مثلهم مثل باقي زملائهم فيها.

هناك نقطة نظام لا بد منها قبل مواصلة الحديث عن هذا الموضوع، ذلك أن لجوء الدولة إلى التعاقد أسلوبا في التوظيف ليس خطيئة في حد ذاته، ولا محرما بالمواثيق الوطنية ولا الدولية، بل إن الكثير من الدول المتقدمة في التنمية كما في الديمقراطية تستعمل التعاقد. لكن هذا الأسلوب في استعانة الدولة بالكفاءات واليد العاملة يتطلّب شرطين أساسيين تفتقر إليهما الحالة المغربية.

الشرط الأول هو أن المستخدَم المرتبط بعقد مع الدولة ومؤسساتها، ينبغي أن يتمتع بوضع مادي أفضل مقارنة بنظرائه الرسميين. بل إن الحاجة إلى الكفاءات التي تتطلب تعويضات مرتفعة كانت أهم الدفوعات التي استخدمتها الحكومة السابقة لتبرير لجوئها إلى التعاقد، حيث تعوّض الامتيازات المالية الإضافية نقص الاستقرار.

أما الشرط الثاني، فهو الثقة. فرغم الخطب الرسمية المطولة التي رددت التزامات المسؤولين الحكوميين بعدم الإقدام على تسريح المتعاقدين، فإنها لم تجد آذانا صاغية. فهؤلاء الشبان الحاملون للشهادات الجامعية، والباحثون عن فرص شغل، جاؤوا أصلا إلى مباريات انتقاء الأساتذة هربا من سوق القطاع الخاص الذي لا يعني، في مخيلة المغاربة، سوى مجال لهيمنة الأقوياء والنافذين، وممارسة الاستغلال وإنتاج الهشاشة، فكيف سيقبلون بإعادة إنتاج هذا النموذج في عقود تربطهم بالدولة؟

لقد خطت الحكومة، في بلاغ أول أمس السبت، خطوة كبيرة نحو نزع فتيل أزمة اجتماعية كادت تتحوّل إلى نار حارقة، لكن القرارات قد لا تكون مفيدة حين تتأخر عن موعدها. ما الذي كان يمنع اللجوء إلى الحوار والتفاوض منذ البداية؟ وكيف سننسي هذا الجيل الكامل من الأساتذة أنه تعرّض لـ«السلخ» في «نصاصات الليل»؟

إننا، ونحن نواصل السير في نفق التراجعات السياسية والحقوقية الذي دخلناه في الحقبة الأخيرة، نقف مرة أخرى على حتمية الإسراع بتقديم عرض إصلاحي جديد، يستوعب التطلعات الاجتماعية والاقتصادية. إن معركة الأساتذة المتعاقدين تذكير آخر، لمن يحتاج إلى ذلك، باستحالة مواجهة التحديات الناجمة عن العطب التنموي بالمقاربات الأمنية والقمع والاعتقالات.

إننا أمام درس آخر يدحض ما يراهن عليه البعض من ضبط المجتمع بالقبضة الحديدية و«العين الحمرا». ولننظر إلى الدور الكبير الذي لعبه المارد الأزرق في معركة الأساتذة المتعاقدين، وكيف أن الفيسبوك -وباقي إخوته في الشبكات الاجتماعية- مازال قادرا على التعبئة والصمود رغم كل ما تتمتع به السلطة من احتكار وإخضاع للإعلام التقليدي.

إن الأقدار تمنحنا فرصا جديدة لتدارك الموقف قبل فوات الأوان، والسياق الدولي والإقليمي الذي استخدمه البعض لتبرير التراجعات، لا يمكن أن نفصله اليوم عن قرار السلطات استعادة صوت الحكمة والإنصات بدل تأجيج الغضب. إذ كيف يمكن أن نفصل ما جرى عن الأصداء التي تصل إلينا من بيت جيراننا الجزائريين الخارجين هذه الأيام في «عرس احتجاجي» غاية في القوة والسلمية.

إن خروجنا من النفق المظلم يتطلّب استعادة روح خطاب 9 مارس الذي صادفت ذكراه السنوية صدور بلاغ وزارة أمزازي «الحكيم»، وهذا الخروج لن يقع بالحلول الترقيعية، أو تجزيء التطلعات والتعاطي معها بمنطق الإطفائي، بل نحتاج إلى إشارات قوية تعيد الثقة في المؤسسات، وتجنّبنا هذا الانزلاق الجماعي نحو المجهول.

شارك برأيك