وارسو بين زمنين وصفاقة القرن! – اليوم 24

وارسو بين زمنين وصفاقة القرن!

  • الحد الأدنى من الدولة!

  • بركات نهر الغانج!

تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحولات ومبادرات قد تقلب المنطقة رأسا على عقب، أكثر مما هي «مقلوبة»، ويبدو أن هناك سيناريوهات يتم وضعها وسيتم تنفيذها بأياد من المنطقة. اللقاء، الذي قاده نائب الرئيس الأمريكي، مايك بينس، في وارسو قبل أسابيع، يعتبر واحدا من تسخينات تلك السيناريوهات وصورة من صور مكر التاريخ، فالعاصمة المجرية التي احتضنت ذلك اللقاء، الذي يعكس وجهة النظر الأمريكية والغربية بصفة عامة لطبيعة الصراعات، والتي يعرفها الشرق الأوسط، كانت قبل 64 سنة قد احتضنت التوقيع على اتفاقية للتعاون والتضامن المشترك بين بلدان المنظومة الشيوعية في وسط وشرق أوروبا بتحالف مع الاتحاد السوفياتي في مواجهة حلف «الناتو»، هكذا شكل حلف «وارسو» واحدا من الوجوه البارزة للحرب الباردة التي امتدت إلى بدايات التسعينيات من القرن الماضي، وكما كان يمثل بالأمس تقاطبا بين القوى الكبرى، تشهد أجواء لقاء وارسو اليوم، تقاطبا من نوع آخر، فعندما كان المجتمعون في وارسو، ومن بينهم بنيامين نتانياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، يعددون المخاطر التي تمثلها إيران على المنطقة، كانت كل من روسيا وتركيا وإيران في لقاء آخر في «سوتشي» الروسية، هكذا تغيّرت الأنظمة والشعارات، لكن الصراع وأطرافه الرئيسة ظلت كما هي بشكل ينذر بأوخم العواقب على منطقة الشرق الأوسط، والتي هي في الأصل توجد في وضعية منكوبة.. فالعراق لازال يدفع ثمن التدخل العسكري الأمريكي الذي أفرز بلدا ممزقا في جبة فيدرالية لم تستند إلى تراكمات حقيقية؛ مما يجعلها دائما مهددة بالتقسيم والصراعات الطائفية التي تتم تغذيتها بشكل غير مسبوق، واليمن أضحى ممزقا فعلا بيد أبنائه وأيدي السعودية والإمارات، فلا المأساة الإنسانية تشفع لليمنيين في وقف الحرب، ولا في كون الحرب التي أريد لها في البداية أن تكون عملية سريعة، قد تحولت إلى حرب عبثية لا يمكن لأي طرف أن يحقق فيها نصرا نهائيا، هذا دون أن ننسى التحولات العميقة التي تعرفها أنظمة الحكم في كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وهي تحولات، حتى دون أن تكتمل، خلّفت وتخلف آثارا سلبية على المنطقة ككل وتضعف قدرتها على المواجهة، خاصة مع إيران.

لقاء وارسو يتجاوز كونه حركة «علاقات عامة» لرئيس الوزراء الإسرائيلي تمهيدا للانتخابات المقبلة، بل يعتبر مقدمة إجرائية لـ»صفقة القرن»، التي هي في النهاية تعتبر صفاقة أمريكية نجحت في اقتياد العرب زرافات ووحدانا، كتعبير جديد منهم عن العجز وضعف القدرة على المبادرة، والتباسا مقصودا في تحديد الخصم، فإيران قد تستحق المواجهة وبناء تحالف عربي في مواجهتها لاعتبارات كثيرة، لكن أن يتم ذلك على مائدة يجلس عليها ممثل الكيان الصهيوني، فذلك يجعل الأمر كله مجرد عبث ونكسة جديدة في القدرة على تمثل الأعداء الحقيقيين. بالأمس، وظف الاتحاد السوفياتي حلف «وارسو» للتدخل في الشؤون الداخلية لبلدانه، وللحد من طموحات الإصلاح الديمقراطي والاقتصادي واستقلالية القرار، فعلت ذلك موسكو عندما غزت المجر وعندما أجهزت على ربيع «براغ» سنة 1968، أما حلف وارسو الجديد، فإنه لا يعتبر سوى تتويج للتدخل الأمريكي في فرملة الربيع العربي والقضاء على أي أمل للتحول الديمقراطي في المنطقة، بينما تبقى إيران مجرد شمّاعة يُعلق عليها الفشل العربي.

شارك برأيك