الأميرة للا سلمى.. – اليوم 24

الأميرة للا سلمى..

  • عندما تعيق المعاصرة الأصالة

  • بلاهة الأفكار الجاهزة

«تختفي الأميرة للا سلمى، ولا يجرؤ المغاربة على التساؤل عن سبب اختفائها». بهذا العنوان نشرت جريدة «التايمز» البريطانية مقالا جديدا، ينضاف إلى سلسلة المقالات التي تقاطرت علينا، في المدة الأخيرة، أساسا، من صحافة بلدين ملكيين، هما إسبانيا والمملكة المتحدة. المقال، وإلى جانب نبرته المستفزة للمغاربة وصحافتهم؛ إذ اعتبر أن ما كتبته إحدى الجرائد المغربية عن الموضوع، ما كانت لتجرؤ على كتابته ونشره دون موافقة الملك، أشار أيضا (المقال) إلى مسألة إسناد أمر نشر أمور تتعلق بالحياة الخاصة للملك وعائلته إلى شاب (playboy) ذي 27 سنة. وشخصيا، سبق لي أن تطرقت إلى هذا الموضوع في مقال خصصته لشريط الفيديو الذي أساء فيه الممثل البشير السكيرج، بوقاحة، إلى الأسرة الملكية. وقلت فيه إن طريقة تواصل القصر الملكي مع عموم المغاربة يجب أن يُعاد فيها النظر، وإن أول خطوة يمكن القيام بها في هذا الصدد، هي إعادة تفعيل وظيفة الناطق الرسمي باسم القصر الملكي، بدل ترك الحبل على الغارب لصفحة الفايسبوك التي تُدار باسم الشاب سفيان البحري، وألا تقتصر وظيفة الناطق باسم القصر على إعلان ما هو رسمي من الأنشطة الملكية، بل أن تشتغل مثل أي إدارة تتعقب الأخبار والإشاعات الرائجة بقوة عن أفراد الأسرة الملكية، وتعمل على معالجتها بتأكيدها أو تصحيحها أو نفيها، أو حتى التنبيه إلى أن الموضوع الفلاني شأن خاص بالفرد الفلاني من أفراد العائلة الملكية، وأنه في حال تضمن أي مطبوع أو صحيفة إلكترونية قذفا أو سبا أو مسا بالحياة الخاصة لشخص الملك أو لشخص ولي العهد أو لأعضاء الأسرة المالكة، أو إخلالا بواجب التوقير والاحترام لشخص الملك، فسوف يتابع المسؤول عن ذلك وفق القوانين الجاري بها العمل. وأعتقد أنه آن الأوان لتفعيل هذه المؤسسة، حتى لا «يأتيك بالأخبار من لم تُزوِّد»، ويبقى المغاربة عرضة للإشاعة المخلوطة بأخبار صحافة أجنبية محكومة، رغم مهنيتها، بكليشيهات تدفعها إلى البحث عن الغرائبي في الحياة الخاصة للأسرة الملكية المغربية وتهويله، إلى جانب إخضاعها كل الأحداث والتفاصيل التي تخص العائلة الملكية لتأويل براغماتي، بالمعنى الذي تحدث عنه الفيلسوف الإيطالي، أمبرتو إيكو، في معرض انتقاده منهج البراغماتيين في تأويل النصوص، حين قال: «Ils frappent le texte afin de l’adapter à leurs propos» (إنهم يَدُقونَ النصَّ دقا إلى أن يستجيب لما يرمون إليه). لنتأمل كيف أوَّلت الجريدة البريطانية ظهور للا سلمى رفقة ابنيها في منتجع بورتوفينو الإيطالي، الصيف الماضي. لقد اعتبرت أن سفر ولي العهد وشقيقته رفقة والدتهما إلى إيطاليا لم يكن سوى محاولة رسمية، غير موفَّقة، لتخفيف حدة كلام المغاربة عن الموضوع. ولو كلفت «التايمز» نفسها عناء سؤال مواطنين عاديين في الرباط لأخبروها بأن للا سلمى طالما شوهدت رفقة ابنيها في شوارع العاصمة أو في إحدى قاعات السينما. فلماذا ستسافر إلى إيطاليا لتعطي انطباعا بأنها ليست ممنوعة من مقابلة فلذتي كبدها؟

شخصيا لا أستغرب ما تنشره الصحافة البريطانية والإسبانية عن القصر الملكي بالرباط، طالما أنني أعرف أن نبشهما في حياة ساكني قصر بكنغهام وقصر ثرثويلا تسبب في مقتل الأميرة ديانا، كما انتهى بمتابعة الأميرة كريستينا، شقيقة الملك فيليبي السادس، أمام المحاكم، والزج بزوجها في السجن بتهم الفساد والتهرب الضريبي، وها هي الصحافة الإسبانية والإنجليزية، الآن، تدفع البرلمان الإسباني إلى التحقيق في اتهامات بالفساد وجهت إلى الملك السابق، خوان كارلوس، بينها واحدة تتعلق بعقار في مدينة مراكش، لأن إحدى عشيقاته السابقات فجرت هذه القضية في الصحافة البريطانية. باختصار، إن صحافة طاردت أميرة حد الموت، من العادي بالنسبة إليها أن تحشر أنفها في المشور السعيد، وإن كنت شخصيا أرفض اقتحام الصحافة الحياة الخاصة للشخصيات العامة.

لكن ثمة أمرا تطرقت إليه «التايمز» لا يخلو من وجاهة ومعقولية، وكان يكفي سببا لأن تطرح الصحافة المغربية، انطلاقا منه، سؤالا حول غياب للا سلمى، ليس بصفتها زوجة للملك، بل باعتبارها شخصية عمومية. تقول «التايمز» إن للا سلمى «رفضت البقاء في الظل، وأسست جمعية خيرية ضد السرطان، كما حققت سابقة من خلال السماح لها في بعض الأحيان بتمثيل زوجها والمغرب خلال محادثات مع دول أجنبية، وكذا تعيينها من لدن منظمة الصحة العالمية سفيرة للنوايا الحسنة». إن ما قالته الجريدة البريطانية، إذا نحن أضفنا إليه أن الملك محمد السادس كسر القاعدة التقليدانية، حين اختار إظهار زوجته ومنحها لقب أميرة، دلالة على اختياراته الحداثية المنتصرة للمرأة وحقوقها، لا يجعلنا فقط نتساءل: هل من حقنا، وهل من تقاليدنا المرعية التساؤل أين اختفت للا سلمى؟ بل إن جميع المغاربة سيتساءلون، تلقائيا ودون أي خلفية: لماذا لم يتحدث الإعلام العمومي عن المرأة التي تحمل أكبر مؤسسة للوقاية والعلاج من السرطان اسمها، في اليوم العالمي واليوم الوطني للوقاية من داء السرطان؟ مثلما تساءلوا قبلها: لماذا غابت للا سلمى، فجأة، عن افتتاح الدورة الأخيرة من مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، الذي دأبت على ترؤسه منذ أزيد من 10 سنوات؟ هذه أسئلة مشروعة وبديهية، ولا علاقة لها بتلك التي تحشر أنفها بين زوج وزوجته، حتى وإن كان الأول ملكا والثانية أميرة.

شارك برأيك