المدرسة التي فُرض عليها التعاقد – اليوم 24

المدرسة التي فُرض عليها التعاقد

  • رسالة بروكسيل

  • «عدل» الحل و«إحسان» التشميع..

تذكرني التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد بالجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين، كلا الاسمين يحيلان على ضمير مبني للمجهول، هو الذي فرض التعاقد، وهو الذي فرض العطالة، وهذا الضمير – الذي لا ضمير له- المبني للمجهول جار البحث عنه.. تلك عادة المغاربة في التلميح.. هذا الضمير قد يحيل على حكومة لا تحكم.. ويتم تحميلها كل الشرور، وهي مستعدة لذلك، فلا دور لها غير دور واقي الصدمات، وحالها يشبه حال الجمل الذي قال لي صاحبه: ما نايضش ما نايضش.. وقد يحيل على النظام الذي يتم نعته حذرا بالمخزن.. وقد يحيل على إملاءات صندوق النقد الدولي.. وأحيانا تصبح هذه المبالغة في تحميل تلك الإملاءات الخارجية مسؤولية ما يقع من بناء عشوائي في المخططات وتنزيلها، مبررا للدولة للتنصل من مسؤولياتها من حيث يظن الراديكاليون أنهم قد فضحوا المؤامرة.. ليس في تعليق فشل السياسات الاجتماعية والاقتصادية على مشجب الإملاءات الخارجية أي إحراج للحاكمين.. هذا لا ينفي وجود بل وتحكم هذه الإملاءات في تقرير المصير الاجتماعي والاقتصادي وحتى التربوي للبلد، لكن بيئة الريع وانعدام الكفاءة والاستبداد والتحكم تجعل حتى تنفيذ هذه الإملاءات يقود لارتفاع تكلفة المخاطر. وإلا فلنتأمل في هذه الأمثلة المختارة تساوقا مع أزمة “التعاقد” في المدرسة العمومية

من ألحق المدارس العليا للأساتذة بالجامعات، وجعلها تكاد تكون خاوية على عروشها، لا تقوم سوى بتكوينات تستطيع أي كلية متعددة التخصصات القيام بها، بعدما كانت مرجعا وطنيا في تكوين أساتذة التعليم الثانوي التأهيلي، وسلك التبريز؟؟

من قام بتجميع مراكز تكوين الأساتذة في صيغة المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين (وهو تجميع كان ضروريا)، ولكن بعد استبعاد المدارس العليا للأساتذة وإلحاقها بالجامعات بأطرها المتمرسة وإمكاناتها اللوجستية (مختبرات، مدرجات، مكتبات..) وتجاربها التي راكمتها، وجعل هذه المراكز مكلفة بالتكوين الأساس لأساتذة جميع الأسلاك التعليمية، والتكوين المستمر، وتكوين المديرين، وسلك التبريز دون مدها بالموارد البشرية الكافية؟؟

من قرر “كارثة” تكوين عشرة آلاف إطار تربوي من حاملي الإجازة في المدارس العليا للأساتذة لمدة سنة وبمنحة شهرية، ثم بعد ذلك تسليم خريجي هذا التكوين للشارع، لينضافوا إلى الفئات المطالبة بالشغل؟ ولم يستفيدوا سوى من اجتياز مباريات الولوج للمراكز الجهوية دون الخضوع للانتقاء، هذا الانتقاء الذي بدوره لم يعد يخضع له أي من الحاصلين على الإجازة انطلاقا من هذه السنة.

من قرر فصل التوظيف عن التكوين سنة 2014، مما أدى إلى إضرابات واعتصامات وهدر للزمن التكويني؟؟ وهو قرار فجائي تم الإعلان عنه في صيف تلك السنة دون مقدمات ولا تشاور..

من قرر بعد سنة فقط، من مرسوم فصل التوظيف عن التكوين، إلغاء تلك البدعة، وتعويضها ببدعة أخرى اسمها: التعاقد عبر قرار مشترك بين رئيس الحكومة ووزير المالية؟ ثم بعد ذلك عدم احترام ذلك العقد الذي كان يقتضي تنظيم امتحانات التأهيل المهني قبل انصرام سنتين، وهو ما لم يتم، بل لم يتم حتى تنظيم اختبارات استيفاء كل مجزوءات التكوين بالنسبة إلى فوجي 2016 و2017، ثم بعد ذلك إصدار نظام أساسي لأطر الأكاديميات السنة الماضية في ظرف قياسي، وهو نظام أساسي سرعان ما ظهرت عيوبه ما جعل منسوب الاحتقان يتصاعد.. وها نحن أمام مدارس فارغة من المتعلمين، أمام هدر للزمن الدراسي، وقمة العبث أن تنشر الوزارة الوصية عزمها على إدخال تعديلات على ذلك النظام الذي كان سببا مباشرا لما يحدث اليوم، في حين أن المفترض أن الأكاديميات الجهوية هي من صاغته، فأنعم بها من استقلالية ومن جهوية (متوسعة).

من كان وراء إصدار مذكرة منع أساتذة التعليم العمومي من العمل في المؤسسات الخاصة في 2014؟ وهي مذكرة قد يراها البعيدون عن واقع المدرسة المغربية معقولة، ولكن القريب من الموضوع يعرف أن تلك المذكرة تسببت في طلب أغلب الأساتذة الذين استوفوا ثلاثين سنة من العمل للتقاعد النسبي للاشتغال في المؤسسات الخاصة، وحسنا فعل الوزير المعفى حصاد حين تراجع عنها، وإلا كان سيكون الخصاص في الأطر التعليمية أكثر كارثية، مما هو كائن اليوم.

هذه نماذج  تبين أنه أحيانا لا يجب المبالغة في تحميل الإملاءات الخارجية وزر كل ما يقع، ينطبق علينا المثل “يدي (العشوائية) ويد القابلة (الإملاءات الخارجية) يخرج الحرامي اعور”.

ختاما: مجاز من النظام القديم (4 سنوات)، ومن خريجي برنامج عشرة آلاف إطار (سنة من التكوين) وبعد سنتين تكوينيتين بين المركز الجهوي والتحمل الكامل للمسؤولية في القسم، عليه اجتياز امتحان التأهيل المهني ليصبح أستاذا راتبه خمسة آلاف درهم (سبع سنوات بعد الباكالوريا بين الجامعة والتكوين، وثلاث مباريات كتابية وشفهية، وما لا حصر له من الامتحانات).

شارك برأيك