«طرسانة».. – اليوم 24

«طرسانة»..

  • يوم مع الرفاق..

  • وكذلك لم يكن..

أصدر المدون عبدالعزيز العبدي مؤخرا روايته الثالثة، الموسومة بـ»طرسانة»، لم يقترحها على ناشر، ليقيم بعدها بكائية حول جشعه ومتاعب التوزيع، ولم يعرضها في واجهات مكتبات تشكو الهجران إلا وقت الدخول المدرسي، بل قام بنوع من الماركتينغ الفيسبوكي، موظفا شخصيته المثيرة للجدل، وقد نجح في تسويق الرواية التي باع منها حوالي 700 نسخة في أقل من ثلاثة أسابيع..

قد تكون طريقة توزيع الرواية عبر البريد، قد ساهمت في شهرتها، وقد يكون الأمر مرتبطا بتدوينات العبدي التي تمتاز بسخريتها السوداء.. لكن وبغض النظر عن أي قراءة نقدية للرواية، فإن أي منصف لا بد أن يعترف بجرأة هذا العمل في المجال التداولي المغربي.. لارتباطه بموضوعة: النزاع حول الصحراء.

أكثر الروائيين المغاربة جرأة خاضوا في موضوعات الدين والجنس.. وفي السياسة عرجوا على تيمات: الاعتقال السياسي، وتزوير الانتخابات، والقمع… ولكنهم كانوا يلامسون موضوعة النزاع حول الصحراء باستحياء.. فبسبب احتكار القصر لهذا الملف، وجعله بعيدا عن التداول العمومي.. وبسبب نجاحه نسبيا في خلق نوع من الشوفينية الوطنية حوله، ابتعد المبدعون المستقلون عن هذه الجمرة مخافة الاتهام، إما بالخيانة من طرف فريق، أو بالتمخزن من طرف فريق آخر.. فقد كان من أخطاء الدولة في حق هذا الشعب أن جعلت بممارساتها الإكراهية من العلم والنشيد الوطنيين والوحدة الترابية عناصر للإخضاع والإكراه المرتبطة بممارسات سلطوية، وليس عناصر رمزية للمشترك الوطني.

في «طرسانة» يقوم العبدي بتشييد سردية أخرى، في مقابل سردية السلطة، في أحداث مثل: المسيرة الخضراء والحرب في الصحراء وملف الجنود الأسرى.. سردية الشفهي المحتقنة في الصدور التي لا تبلغ الحناجر إلا همسا، في مقابل سردية المكتوب المحتكر من قبل مؤرخي البلاط، والمبثوثة في الكتب المدرسية وملاحم التلفزة المغربية.. سردية الهامش الذي اكتوى بنار الحرب بشكل مباشر (الأرواح والأسرى) أو بشكل غير مباشر (تنمية عرجاء بسبب مسمار في القدم بالصحراء)، في مقابل سردية المركز الذي يحتكر الانتصارات باسمه، ويقذف بالخسارات خارج مربعه.

في «طرسانة» لم تتطوع الأغلبية في المسيرة الخضراء، بل تم شحن البسطاء في شاحنات، بعدما تم إيهامهم بأن عسلا شهيا ولبنا صافيا وحور عين ينتظرونهم في الصحراء، «استسلم إلى قدره، وهو يتسلم غطاء صوفيا والعلم الوطني ونسخة من آيات من القرآن وصورة للملك، ثم أخيرا حين اجتمع بهم قائد في أكادير، وأخبرهم أن الإسبان غادروا الصحراء، وتركوا شققا مفروشة ومجهزة، وبها ثلاجات مليئة بالأكل، وفي بعض الشقق تركوا نساء شقراوات…». وحين أمر الحسن الثاني بتوقف المسيرة وانتهاء المهمة، التي لم يعرف المتطوعون قسرا ماهيتها، ولا السبب من انطلاقها، ولا الدافع لتوقيفها، ترك هؤلاء لقدرهم، «وبحرقة أكبر حكى رحلة العودة، إذ تم شحن الجميع في شاحنات نحو مراكش، حيث تخلوا عنهم بعدما أمدوهم ببطاقات سفر كان يمتنع سائقو الحافلات من اعتمادها، لأنهم لا يحصلون على مقابلها من السلطة».

وكما سافر الأب إلى الصحراء في المسيرة الخضراء حالما بحضن شقراء إسبانية تركها معمر إسباني، بعيدا عن أي شعارات وطنية كانت تحملها أغاني: «العيون عينيا، صوت الحسن..»، فقد كان قدر الابن عبدالرحيم أن يصبح جنديا في الصحراء، التي لم تكن تعني له لا استكمالا لوحدة ترابية، ولا حربا ضد الأطماع الجزائرية.. كانت تعني له فرصة ستمكنه من الزواج بالمرأة التي أحبها.. وحين سيتم أسره في أول التحام له بـ»العدو» الذي لم يختره، سيكتشف أن الدبابة التي يقودها كانت جزء من صفقة تفوح منها رائحة الفساد، كانت دبابة معطوبة.. وحين سيقع في الأسر الذي قضى فيه ربع قرن، سيكتشف أنه كان يخوض حربا ليست له.. وسيلتقي بشخص اسمه علال.. هذا البطل الإشكالي الذي علمته الحرب وعلمه الأسر أن الحقيقة لا توجد في أي ضفة من الضفتين، وسيعيد تشييد عالم الصحراء وأبجدية الصراع، انطلاقا من براديغم عقلاني، لا يشيطن الآخر ولا يتبنى مقولاته، لا ينخدع بسردية السلطة، ولكن لا يفرط في الموقف الوطني، لا يؤمن بالكيانات الصغرى ولكن في الوقت نفسه لا يتقبل الإكراه على العيش في وطن غير ديمقراطي.. أو بعبارة أخرى: وطن آخر ممكن.. يحتضن الجميع دون إقصاء.. وطن يجذب أبناءه الذين فروا منه هجرة أو انفصالا للعودة الطوعية له.. لكن بعيدا عن الشوفينيات والإكراه و»الذلقراطية».

«طرسانة» حكاية حب بهية التي انتظرت عبدالرحيم ربع قرن لتتزوجه.. لكنها بالأحرى حكاية أبطال دون مجد.. حكاية «عوليس» قدم من «جبالة» نحو الصحراء، ليعيش رحلة تيه دامت ربع قرن، تيه اكتشف فيه أن الوطن في العينين كما تقول حميدة نعنع،وليس في الخطب الرسمية وتدشينات التلفزة وملاحم العبث والأغاني الوطنية.

شارك برأيك